نبذة عن أروع قصص البهلول

الإثنين 12 مارس 2018 - 19:38 بتوقيت غرينتش
نبذة عن أروع قصص البهلول

ثقافة _ الكوثر: بهلول هـو عـالم من الشيعـة وقـريب للخـليـفة هارون الرشـيد . أسمه وهب بن عمرو . والبهلول اسم يجمع خصاله الحسنه التي كان يتصف بها ، فقد كان جميلا فكها .

 ولما كان من حرص هارون الرشـيد على الملك بحيث كان يتخذ الذرائع للقضاء على مخالفيه وازاحتهم عن الطريق مهما كلف الأمر .

وكان إمام الشـيعـة في عهده هو الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) ، وكان هارون يعتبره على رأس المخالفين ، حيث كان يشكل خطرا كبيراً على ملكه ، مما دعا هارون ليحاول جاهداً كسب تأييد علماء المسلمين المبرزين وإقناعهم بالإفتاء بخروج الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) ومروقه عن الدين ، وبهذا الأمر كان يمهد أرضية المواجهة مع الإمام ( عليه السلام ) .

ولأن البهلول من علماء ذلك الوقت أراد هارون الرشيد إجباره على التوقيع في ورقة أصدر فيها أمره بقتل الإمام الكاظم ( عليه السلام ) .

لذلك ذهب البهلول إلى الإمام ( عليه السلام ) وأخبره بذلك وطلب منه أن يهديه سبيلاً للخلاص من هذه الورطة ، فأمره الإمام ( عليه السلام ) أن يتظاهر بالجنون ليكون في أمان من سطوة هارون .

تظاهر البهلول بالجنون وكان بهذه الذريعة يهزأ ويطعن بالنظام الحاكم بلسان النكاية والمزاح .

اقرأ ايضا: من هو بهلول .. و هل هو شخصية حقيقية أم خرافية؟!


ولعلمه وقرابته من الخليفة كان لا يتورع عنه ، حتى إنه كان يدخل عليه في أي وقت شاء ويتكلم بما يريد ، فكان مصداقا للقول المعروف : (( المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ))

وهذه بعض من حوادثه الطريفة التي امتلأت بها حياته :

ثمن الجنة

مرت زبيدة زوجة هارون الرشيد الخليفة العباسي ببهلول وهو يلعب مع الصبيان ويخط على الأرض بأصابعه فلما رأت زبيدة ذلك تأملت فيما يصنع ثم قالت له : " ماذا تفعل ؟ " .

قال البهلول للصبيان وهو يخط تراب الأرض بإصابعه : " لا تهدموا البيت الذي بنيته "
ثم ألتفت إلى زبيدة وقال : " أما ترين أني مشغول ببناء البيت ؟ " .

أرادت زبيدة مساعدة بهلول إلا أنها كانت تعلم رفضه لذلك ، فتأملت قليلاً ثم قالت :
ــ أراك تبني بيتاً جميلاً يليق بالعظماء ، وها أنا أرغب في شرائه منك " .
ــ هذا البيت ؟! ، نعم أبعه إياك . أجابها وهو منكس رأسه إلى الأرض يخط ترابها بإصبعه
ــ اشتريت منك هذه الدار فكم يكون ثمنها ؟ . قالت وهي تنظر للخطوط المعوجة التي رسمها.

قام البهلول على قدميه وسوى ظهره ، وقد كانت بيده عصا أشار بها إلى الصبيان وهو يقول : " بألف دينار لي ولهؤلاء الذين أعانوني في بنائها " .

فأشارت زبيدة إلى أحد خدمها وقالت له : " أعطيه ألف دينار " . ثم انصرفت.

أخذ بهلول الدنانير وكانت سككاً ذهبية وقسمها بين الفقراء فلم يبق في كيسه دينار واحد .

ومضت على هذا الحادث عدة أيام .

ذات ليلة رأى هارون الرشيد في المنام نفسه وكأنه يساق إلى الجنة ، فلما بلغ أبوابها قيل له : " هذا قصر زوجتك زبيدة " . فلما أراد الدخول منعوه من ذلك .

وفي صباح اليوم التالي قص هارون رؤياه على علماء قصره فقالوا له : " سل زبيدة عما فعلت من البر " . فلما سألها أخذت تفكر في العمل الذي استحقت من أجله قصراً في الجنة فلم تتذكر شيئاً سوى أنها أعطت لبهلول ألف دينار وقصت خبرها في ذلك على هارون .

أدرك هارون الرشيد ضرورة البحث عن بهلول ليشتري منه بيتاً ، البيت الذي ليس له في هذه الدنيا قرار لكنه يكون في الآخرة قصراً مشيداً . فأين بهلول ؟

خرج هارون من قصره ومعه أحد أقربائه يبحث عن بهلول فوجده في إحدى أزقة بغداد جالس وحوله عدة صبيان وهو يخط تراب الأرض بإصبعه . حاول هارون التظاهر بعد الاكتراث وقال :
ــ أرى أقرب أقربائي يلعب مع الصبيان ويعبث بإصبعه على التراب .
ــ نحن نتمتع بما رزقنا الله في هذه الدنيا ، وها أنت ترى أني مشغول ببناء بيت على أرض الله لكي أبيعه . أجابه بهلول وهو يخط بإصبعه الأرض
ــ ليس قصور الملوك كالبيوت التي أنت مشغول ببنائها إلا أني مع ذلك أود شراء أحدها .

قال هارون ذلك بكل سرور وصوته يرتعش ، فرفع بهلول إصبعه من التراب ووضعه نصب عينيه ثم أغمض إحداهما وأخذ ينظر إلى إصبعه بالأخرى ، ثم أشار إلى الأرض بإصبعه وقال : " هل تشتري مثل هذا البيت ؟! " .

جثا هارون على ركبتيه إلى جانب تلك الخطوط التي رسمها البهلول وقال :
ــ رضيت بهذه الدار وإني قد أشتريتها منك .

نظر بهلول لهارون نظرة متأمل ، ثم هزأ منه ضاحكاً وقال :
ــ ثمن هذه الدار باهظ جداً .
ــ كل ما تعلقت به رغبتنا وأردناه لا يصعب علينا الحصول عليه وإن كان ثمنه باهظاً .

قال هارون ذلك وهو يتظاهر بعدم المبالاة بضحك بهلول ، فذكر بهلول آلاف الأكياس من الذهب والبساتين الكبيرة والأموال الطائلة قيمة لتلك الدار .

 سكت هارون الرشيد حتى أتم بهلول كلامه ، والغضب قد استوى عليه لآن ما طلبه بهلول لم يكن بالشيء القليل فإنه لو جمعت ثروات جميع الأغنياء وتكدست على بعضها لم تبلغ معشار ما طلبه بهلول ثمن لداره .

فما هو اللغز الكامن في كلام بهلول وما يريد من وراء ذكره هذا الثمن الخيالي ؟!

أراد هارون أن يعرف السر في ذلك ولذا قال لبهلول :
ــ لقد بعت عين هذه الدار لزبيدة بثمن أقل من ذلك بكثير، فقد بعتها إليها بألف دينار، ولما أردت شرائها منك أراك تقول قولاً شططاً .

نهض بهلول من الأرض وبعثر ما كان قد رسمه عليها بأطراف أصابع قدميه ، وقال :

" ليعلم الخليفة أن بينه وبين زوجته زبيدة فرقاً شاسعاً ، فإن زبيدة اشترت وهي لم تر، وأنت رأيت وتريد أن تشتري "

ثم عاد مرة أخرى يلعب مع الصبيان.

استشارة العاقل والمجنون

كان البهلول وعلى عادته يمشي يوماً في أزقة بغداد فلقيه رجل تاجر ، فقال لبهلول :
" أريد استشارتك في أمر التجارة " .

قال البهلول وكان بيده خيزران ضرب بها كفه الأخرى بهدوء : " وما الذي عدل بك عن العقلاء حتى اخترتني دونهم ؟ " . ثم مكث هنيئة فقال : "حسناً ما الذي أردت استشارتي فيه؟ "

ــ إن عملي التجارة فأردت شراء متاع احتكره ثم أبعه لمن يدفع لي فيه ثمناً باهضاً . قال التاجر

ضحك البهلول حتى بانت أضراسه ، وقال : " إن أردت الربح في تجارتك فاشتر حديدا وفحما " .

 شكره التاجر على ذلك وانطلق إلى السوق ، ثم فكر في كلامه جيداً فرأى إن من الأفضل أن يأخذ بكلامه ، فأشترى حديداً وفحماً وأودعهما في المخازن ، حتى مضت عليهما مدة مديدة ولا زالا على حاليهما في المخزن ، ولما احتاج التاجر إلى ثمنهما وكان قد أرتفع تلك الأيام سعرهما باعهما بأفضل ثمن ، وربح عليهما ربحاً كثيراً .

ولكن أثرت هذه الثروة على سلوكه ، كما تؤثر على سلوك الكثير من الناس ، حيث تجدهم يفقدون صوابهم ويتغير منطقهم وسلوكهم بعد ثرائهم ، فتراهم ينقلبون من هذا الوجه إلى ذلك الوجه . وهكذا كان التاجر فقد أغتر بنفسه غروراً عجيباً ، حتى لم يكد يعد للناس وزناً ، وأخذ يتحدث عن عقله وذكائه وفطنته .

وذات يوم مر التاجر ببهلول ، لكنه لم يعره أي أهمية ولم يشكره على ما أشار عليه به سابقا بل أثار بوجهه الغبار وسخر منه ، ثم قال :
ــ أيها المجنون ما الذي أشتري وأحتكر حتى يعود علي بالربح .
ــ أشتر ثوماً وبصلاً وأودعهما في المخزن . قال بهلول وهو يضحك

خطا التاجر بعدها خطوات ثم عاد لبهلول وقال بغرور وعجب : " عليك أن تفخر بمشورة تاجر موفق وشهير مثلي إياك "

لم يجب البهلول بشيء إنما بهت لجهل التاجر وغروره . بينما رصد التاجر لشراء الثوم والبصل كلما يملك من أموال ، وذهب صباح اليوم التالي إلى السوق لشرائهما على أمل الربح الكثير عند بيعيهما .

بعد أشهر مضت على البصل والثوم وهما في المخزن جاء التاجر وفتح أبوب المخزن وهو لا يعلم ما ينتظره من خسران مبين ، فوجد الثوم والبصل قد تعفنا ونتنا ، وطبعا لم يكن أحد ليرغب بشراء مثل هذا البصل والثوم المتعفنين ، بل لا بد من رميه في المزابل لأن رائحته النتنة انتشرت في كل مكان ، مما اضطر التاجر أن يستأجر عدة نفر ليحملوا هذا المتاع الفاسد إلى خارج المدينة ويدفنوه في الأرض .

امتعض التاجر من بهلول وازداد حنقاً عليه وغضباً لأنه فقد رأس ماله بسببه ، فأخذ يبحث عنه في كل مكان حتى عثر عليه ، فلما رآه أخذ التاجر بتلابيبه وقال : " أيها المجنون ما هذا الذي أشرت به علي ، لقد أجلستني على بساط الذلة والمسكنة "

خلص البهلول نفسه من التاجر ، وقال : " ماذا حدث ؟ " .

قص التاجر على البهلول وصوته يرتعش من شدة الغضب ما جرى له . سكت بهلول عن التاجر هنيئة وهو يعلم عم يتحدث التاجر حتى سكت الغضب عنه ، ثم قال له :
" لقد استشرتني أولا فخاطبتني بخطاب العقلاء فأشرت عليك بما يشيرون ، لكنك لما أردت استشارتي ثانياً خاطبتني بخطاب المجانين فأشرت عليك بمشورتهم ، فاعلم أن ضرك ونفعك مخبوءان تحت لسانك ، إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً " .

فأطرق التاجر إلى الأرض وهو لم يحر جواباً فتركه بهلول وأنصرف عنه .

أي ملابس أفضل

كان هارون الرشيد يبث عيونه وجواسيسه في المجتمع ليأتوه بأخبار مخالفيه ، وذات يوم وشي ببهلول إليه ، بأنه من أتباع ومحبي الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) . وحيث أن هارون كان يسعى لمعرفة شيعته ومحبيه ليقضي عليهم فإنه قرر إحضار البهلول إليه لينزل به العقوبة فيكون عبرة للآخرين . ولما أحضر البهلول إلى القصر وقف أمام هارون الذي استولى عليه الغضب ، وقال هارون له : " سمعت إنك من شيعة ومحبي موسى بن جعفر" .

 سكت البهلول ولم يتكلم بشيء ، وكان هذا السكوت مؤذياً لهارون ومثيراً لغضبه أكثر والذي قال : " تظاهرت بالجنون لتفرعن عقوبتنا لكني لست بتاركك " .

ــ ما كانت تفعل إن كنت صادقاً فيما تقول ؟ . قال بهلول

وقد كان هارون يتوقع من البهلول بعد تهديده أن يقول شيئاً يظهر به عم تأييده لإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، لكنه فوجئ بما سمعه من البهلول وصمم في هذه المرة على أن ينزل العقوبة به ، ولكن أي نوع من العقوبة يمكن إنزالها بالبهلول الذي كان من أرحامه ـ أقاربه ـ غير إنه أشتهر بين الناس بالجنون فلا يمكن إنزال أشد العقوبة به ، لأن بعقوبته سيقول الناس بأن هارون لم يقدر إلى على المجانين .

وعلى ذلك أخذ هارون يفكر في طريقة لعقوبة بهلول ، وأخيراً أمر بخلع ملابس بهلول وإلباسه ما يسرج به الفرس ، ثم أمر بوضع لجام على فمه والدوران به في أزقة المدينة . ولما عادوا بالبهلول إلى القصر وقد كان وزير هارون بالقصر أبان عودته ، وحيث إنه لم يكن يعلم بالخبر ولا لماذا يفعلون به هكذا قال : " ماذا فعل البهلول ؟ " .

لم يجبه أحد بشيء لفترة ، ثم قام هارون من كرسيه ونفض رداءه بغرور ووقف أمام البهلول وقال : " ألم تسمع ما قال وزيرنا ؟ ، أجبه إذاً " .

التفت البهلول إلى الوزير بكل وقار وسكينة ولم يبدو على وجهه آثار الانزعاج من الخليفة أو الخوف منه ، ثم قال : " دعاني أمير المؤمنين وسأل مني شيئاً فأجبته جواب الحق ، فخلع أمير المؤمنين لأجل ذلك ملابسه الغالية وأهداها إليّ " .

وقد تغير وضع المجلس بسماع هذا الكلام ، فلم يتمالك الجميع أنفسهم من شدة الضحك بما فيهم الخليفة هارون الذي ضحك ضحكاً كثيراً . وبعد لحظات من الضحك هدأ المجلس ، ثم أمر هارون بخلع ما على البهلول من السرج واللجام ، وأمر بإحضار خياطه الخاص وأمره بإهداء بهلول أفضل ما خاطه للخليفة . لكن قبل أن يأتمر الخياط بأمر الخليفة قال البهلول : " لا حاجة لي بملابس الخليفة " .

ثم لبس ملابسه البالية وخرج من القصر .

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم