دعاء الإفتتاح للحجة المنتظر(عج)...ثروة معرفية و سيكولوجية

الجمعة 18 مايو 2018 - 06:41 بتوقيت غرينتش
دعاء الإفتتاح للحجة المنتظر(عج)...ثروة معرفية و سيكولوجية

لقد حَظي هذا الدعاء الكريم المنسوب للإمام المهديّ محمد بن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف بعناية واهتمام كثير من المصادر الشيعيّة الإماميّة...

د. يوسف مَدَن

نحاول في هذا المبحث الالتزام بتقديم أفكار جديدة، تحديد مجموعة من المبادئ السيكولوجيّة التنظيميّة، والموجِّهة لسلوكنا وأفعالنا البشريّة والحديث عنها، معتمدين على جُمل ومقاطع لغويّة من نصّ "دعاء الافتتاح" ومفرداته وفقراته ومحتواه المعرفيّ والقِيميّ والسيكولوجيّ. وغرضنا من ذلك الاطلاع على منظومة هذه المبادئ كجزء حيويّ وهامّ لكَشف المزيد من الثروة المعرفيّة والسيكولوجيّة في أدعية أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

*تربية المنتظرين

لقد حَظي هذا الدعاء الكريم المنسوب للإمام المهديّ محمد بن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف بعناية واهتمام كثير من المصادر الشيعيّة الإماميّة، قديماً وحديثاً، على مدار قرون، وذلك لا ليُقرأ هذا الدعاء كلّ ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك لتحصيل البركة، وفي أوقات مختلفة لمناجاة الله سبحانه فحسب، بل للتأمّل في مادّته المعرفيّة والروحيّة وفَهمها وتحليلها، والاستفادة منها في التوجيه والإرشاد، واستثمارها كذلك في عملية "تربية المنتظرين" وتكوينهم الإيمانيّ والعقائديّ والمعرفيّ والسيكولوجيّ خلال فترة غيبة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، والإعداد الذاتيّ لظهوره.

*الدعاء شفاء وتوجيه

والدعاء أسلوب روحيّ قديم عرفته الأديان السماويّة وامتازت به عن شرائع الأرض. لكنّ بعض الاتّجاهات العلاجيّة في علم النفس أخذ يميل إليه في المعالجة النفسيّة كما في دراسة ألكسيس كارليل عن الدعاء، وحلّ مشكلات الأفراد النفسيّة، والاستعانة به في رسم طريقة الشفاء.

وقد استعمل الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف الدعاء للتوجيه الاجتماعيّ والنفسيّ، وطريقاً لعلاج النفس من آفاتها وعيوبها وذنوبها، تمهيداً لتزويدها بالسمات الأخلاقية السويَّة، وإمداد الفرد بالمفاهيم العقائديّة والاجتماعيّة السليمة التي تعينه على مواجهة حركة الحياة وِفق قواعد صحيحة.

لقد أراد الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف أن يجعل من الدعاء وسيلة المؤمن في التحليل النفسيّ والاجتماعيّ، واتّخذه أسلوباً فعّالاً في إنجاز التربية العباديّة للمجتمع في فترة غيبته، لأنّ الدعاء يتضمّن مفاهيم عقائديّة، ويشحذ النفس بالهمَّة والإرادة الحاسمة. ولمَّا كان من الصعب إيصال أفكاره وتعاليمه وقيمه ومفاهيمه الأخلاقيّة لكافّة قواعده الشعبيّة بسبب غيبته، وتعامله غير المباشر معهم، اتّخذ الإمام الدعاء إحدى وسائله لرسم سياسة التوجيه للأمَّة، وأداة للمعــرفة(بناء الشخصية في خطاب الإمام المهدي، د. يوسف مَــدَن، ص27-28)

*دعاء الافتتاح في مصادر قديمة ومعاصرة

ولكنَّ غرضنا ليس تتبّع مصادر دعاء الافتتاح، ولهذا نشير إليه بغرض تحديد بعضها على وجه الإجمال في مصادر قديمة، فقد نشر دعاء الافتتاح في مصادر قديمة مشهورة مثل كتاب (إقبال الأعمال) للعلّامة الكبير رضيّ الدين أبي القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد المعروف بـ"ابن طاووس". وقد اعتمدنا هذا الكتاب كمصدر رئيسيّ لتوثيق دراستنا، لأنّه أقدم ما توافر لنا من مصادر هذا الدعاء. وكذلك من المصادر القديمة كتاب (البلد الأمين)، وكتاب (المصباح) للكفعميّ، وتجده في كتاب (مفاتيح الجنان) للشيخ عبّاس القمّيّ رضوان الله عليهم، وغيرهم.

*المفهوم العلمي للسلوك

السلوك في محدّدات علماء النفس وتعريفاتهم المتداولة هو "كلّ ما يصدر عن الكائن الحيّ - وخاصّة الإنسان والحيوانات العجمــاوات - من نشاط وفعل أو كلام أو حركة أو مشاعر وجدانية بمختلف أشكالها". وهو عندهم سلوك خارجيّ ظاهريّ يمكن قياسه بالملاحظة المنظّمة، وأجهزة ضابطة للداخل، والحركات وغيرها.

*تحديد معنى "المبادئ" ومفهومها العام

والمبدأ هو مصدر لغويّ آخر يطابق معناه الاصطلاحيّ، فهو: معتقد، وقاعدة أخلاقيّة، ومعيار علمي تُبنى عليه قيم الأعمال، ومبدأ الشيء: قواعده الأساسية التي يقوم عليها.

والمبادئ كما يذهب بعض المهتمّين بعلم النفس والتربويين المعاصرين هي "مجموعة قواعد ونظم وقوانين تفسّر السلوك، كالنموّ الإنسانيّ على سبيل المثال، أو تفسير العلاقة القائمة بين ظاهرتين أو نمطين أو أكثر من ظواهر السلوك وأنماطه عند الكائن الآدميّ وتضبط حركته في اتّجاه معيَّن" كالعلاقة بين النضج الطبيعيّ وتعلّم الفرد.

وتعمل هذه المبادئ السيكولوجية على ضبط العلاقة السلوكية للإنسان سواءً كانت تعبيراً عن حالة سلب أو حالة إيجابية.

*الأهداف التربوية العبادية للدعاء

تتعدّد أهداف المبادئ السلوكية - السيكولوجية في نصّ دعاء الافتتاح. وهي في مقامها الأوّل "تنظيمية" ضابطة للسلوك في تصحيح الانحراف أو السلوك اللّاسويّ، وفي إعادة تعلّم السلوك السويّ وتقوية علاقة المنتظرين بـ"الذات الإلهيَّة". ويمكن - بإيجــاز - تحديد وصياغة الأهداف التالية:

1-دفْع هذا الدعاء جماعات "المنتظرين". واستثمار مادته الإرشادية - التعليميَّة من أجل تحقيق (الرضــا الإلهيّ) لديهم.

2-الإفادة من القيمة الإرشادية التي يقدّمها نصّ دعاء الافتتاح تتمثّل في تحقيق هدفين أساسيين هما: (الرضا الإلهي، والتوافق مع الذات والآخر وعالم الأشياء).

3-بناء نمط عباديّ بالطريق الوقــائيّ، والطريق العلاجيّ من خلال التوبة.

4-العمل على استعادة التوازن النفسيّ والاجتماعيّ خاصّة ممّن ازورَّت أنفسهم عن طريق الجادّة.

5-سعي "الإنسان المنتظر" إلى تحقيق قدر معقول من الصحة النفسيّة والعقليّة، يتناغم مع قيم ومبادئ المشروع التربويّ الإسلاميّ.

16-كتشاف أهمّ المبادئ السيكولوجيّة والعقائديّة التي تساعد المنتظرين على ضبط وتنظيم وتوجيه السلوك بمحدّدات ومعايير المشرّع الإسلاميّ.

خصائص قيم السلوك في الدعاء:
تمكّنك الملاحظة الأوّليَّة، والتأمّل في محتوى المادّة الإرشاديّة - التعليميّة لدعاء (الافتتاح) من رؤية مبادئ ومضامين وقِيَم ضابطة للسلوك، وهي أدوات ضبْط تساعد على تنظيم حركة العلاقة بين الإنسان وربّه، ومع الآخر ونفسه وعالم الأشياء الماديّة المحيطة به في الدنيا. ويرتبط هذا الكشف بمعرفة خصائص عامّة لهذه المبادئ التنظيميّة، وفَهمها كضرورة تربويّة لتربية الذات "العباديّة" بطريقة وقائية، أو مساعدتها على معالجة عيوبها وأمراضها. ومن هذه الخصائص:
1-طابعها الربّانيّ.
2-إنسانيّتها.
3-تنظيمها وطابعها الأخلاقيّ.
4-هدفيّة المبادئ.
5-تشابك وتداخل هذه الخصائص بعضها ببعض.

1-ربّانيّة المبادئ:
والمراد من مضمون هذا المبدأ ارتباط محتواه الداخليّ بالتعاليم والقِيم الإلهيّة؛ فالتوجيهات الإلهيّة هي المصدر الأساسيّ لمادّة ومحتوى هذه المبادئ التنظيميّة لسلوك الإنسان في علاقته بالله تعالى، وفي علاقاته الاجتماعيّة مع الآخرين، مع عالم الأشياء في البيئة الخارجيّة للفرد، إذ تستمد هذه المبادئ قوّة عملها من رؤية الدين ومن تعاليم الله سبحانه وقِيمه، فإذا طلب المرء (اللّذة) أو أراد تجنّب (الألم)، ودفع الضرر عن نفسه، كانت توجيهات الله سبحانه وتعالى ماثلة أمامه لتنظيم تحقيق هذا المبدأ وتوجيه مساره في حركة الحياة الإنسانيّة وضبطها. وقد أسّس الدعاء كلّ "مبادئه التنظيميّة" الموجّهة للسلوك على أساس طابعها الربّانيّ؛ فكلّ ما يحقّق تنفيذ هذا المبدأ موكول إليه تعالى، وهو المصدر الأساسيّ في تأمين ما يحتاجه الأفراد. وهكذا، فكلّ مبدأ من مبادئ تنظيم السلوك مستمَدّ من تعاليم الله وتوجيهاته، ومربوط تنظيمياً بالأوامر والنواهي الإلهيّة، وبذلك تستفاد فوائد من هذه المبادئ مجتمعة في مهمّتها المحدّدة، وهي: الارتقاء بالذات وإنضاج كيانها بالتعاليم والأساليب والقِيم العباديّة وتحقيق رضا الله سبحانه وتعالى.

2-إنسانيّة مبادئ الدعاء:
ونعني بـ(إنسانيّة هذه المبادئ) الواردة في دعاء الافتتاح أنها موجّهة للإنسان لضبط وتنظيم تفكيره وأفعاله التكليفيّة، وتمتاز بـ(سموّ طابعها الإنسانيّ) من حيث ما يقوم به الناس من أدوار، ومشاركة الإنسان مباشرة في صنع الأفعال الصادرة عنه، والإتيان بها، سواء كانت من الأفعال (الخاطئة) أو كانت من الأفعال (العباديّة الصحيحة)، والإفادة منها في تكوين وتوجيه السلوك الإنسانيّ.

ولهذا تهتمّ المبادئ، في هذا الدعاء وفي مختلف أدعية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، بتنمية قوى الإنسان الذاتيّة في مرحلة ما قبل وقوع العبد في براثن الأفعال الخاطئة والآثمة (وهي المرحلة الوقائية)، وكذلك تهتمّ بالإنسان ومشكلاته وهمومه في مرحلة العلاج وتعديل السلوك بمحدِّدات إيمانية يرتضيها الله سبحانه لعباده. ولهذا لم تُسمَّ هذه المبادئ "إنسانيّة" إلّا لكونها تخدُم الإنسان وتُحقِّق له درجة مقبولة من "كماله الروحي والمعرفي" يهيّئه للقاء الله تعالى في عالم الآخرة.

3-دعاء الافتتاح ومحتواه المعرفيّ والروحيّ:
تمتاز كلّ أدعية أئمّة أهل البيت عليهم السلام بثروة قيميّة وأخلاقيّة مُربِّية، تنطوي على مبادئ ضابطة وتنظيميّة للسلوك، وكذا دعاء الافتتاح، إذ تتّسم مادّته الإرشاديّة - التعليميّة بطابع أخلاقيّ، ومعرفيّ، وروحيّ يحقّق "صدق العبوديّة": كطلب العفو عن الذات، والاعتراف، والتوبة، والاستغفار، وطلب إشباع الحاجات، والاستعلاء على شهواتنا، والبحث عن اللّذات، وتجنّب الألم، وهي مبادئ مؤسّسة على طابع أخلاقي واضح، وفاعل ومؤثّر في "تربية المنتظرين" وصياغة كياناتهم الذاتيّة.

فما يميّز هذه المبادئ هو ما تتّسم به من طابع أخلاقيّ مؤثّر، يساعد على تكوين أفعال سلوكيّة موسومة بالأخلاق العباديّة التي يبتغي الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف تحقيقها في حياة الفرد المؤمن من تطهير داخل النفس الإنسانية من الشكّ والشرك والنفاق، وتخليصها من وثاق الشهوة وأسر الهوى.

4-هدفيّة المبادئ:
لم توضع هذه المبادئ عبثاً، بل هي منظومة معرفيّة وروحيّة وأخلاقيّة تبتغي ضبط وتنظيم سلوك الإنسان المنتظر. وهي في نظرنا "آليّات عمل" موصولة بأهداف عباديّة واضحة، أكّد عليها الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف في دعائه. فمبادئ دعاء الافتتاح تستهدف بناء الشخصيّة العباديّة المطيعة لله سبحانه.

وأهمّ ما تريد هذه المبادئ تحقيقه هدفان أساسيان هما:
أ - تحقيق الرضا الإلهيّ، وتحقيق رضا الله على عباده بحدّه الأدنى.
ب - تحقيق توافق ذاتيّ، وحالة رضا العبد عن ذاته، بتعديل سلوكها أو إزاحة توتّر نفسيّ مؤلم عنها.

فعلى سبيل المثال، نجد (طلب العفو عن الذات كمبدأ تنظيميّ للسلوك) يستهدف محو الأثر النفسيّ المترتّب عن ضغوطات السيّئات أو قهر الذنوب والمعاصي وتراكماتها، واستبداله بتحقيق أثر نفسيّ إيجابيّ مضادّ كالشعور بحالة من الرضا النفسيّ، والإحساس بالراحة داخل النفس، وإزاحة ضغوط مشاعر الاستياء الناجمة عن ارتكاب الذنوب ومنغّصاتها.

وهذا الهدف مع قدرته على الوصول بالفرد إلى مستوى متقدّم من الإنجاز الإيجابيّ فإنّه في الوقت نفسه مظهر لتحقيق هدف أكبر، كالرّغبة في تحقيق رضا الله أو رضا الفرد عن ذاته، وهذا ما ينسحب على مبادئ أخرى، موجّهة لسلوك الفرد في نصّ دعاء الافتتاح.

5-منظومية المبادئ والتأثير التربويّ:
تتداخل مبادئ تنظيم السلوك الإنسانيّ وضبطه في هذا الدعاء، لأنّ القضايا التي يهتمّ بها دعاء الافتتاح هي الأخرى متداخلة ومتشابكة، فكلّ خاصيّة مرتبطة بالأخرى تتأثّر بها وتؤثّر في مجموعها لتحقيق الأهداف التي يريد الدعاء الوصول إليها (طاعة الله وبناء شخصيّة الإنسان على مرتكزاتها).

إنَّ جميع مبادئ دعاء الافتتاح يتحرّك معاً لبلوغ رضا الله، ورضا الذات عن نفسها، واكتمال حالة النضج لديها، وتحقيق مستوى معقول من الصحّة العقليّة والجسديّة والنفسيّة، حيث إنّ جميع المبادئ منظومة واحدة لا يتعارض في حركته الضابطة والتوجيهيّة لسلوك الذات البشرية. ونفهم من المادة الإرشادية للدعاء تأكيدها على هذا التداخل، وعلى عملها الموحّد كمنظومة توجيه للسلوك.

يتبع...

المصدر: مجلة بقية الله

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم