من سيرة النبي آدم(ع)...القابلية الخارقة

الجمعة 10 أغسطس 2018 - 11:29 بتوقيت غرينتش
من سيرة النبي آدم(ع)...القابلية الخارقة

يستفاد من آيات القرآن أن آدم خلق للعيش على هذه الأرض لكن الله شاء أن يسكنه قبل ذلك الجنة، و...

آية الله ناصر مكارم الشيرازي

ومن أجل أن تتضح حقيقة الإنسان للملائكة أقدم الله سبحانه على هذه التجربة ليعلموا الفرق الشاسع بينهم وبين بني آدم.

كان آدم يملك  بفضل الله قابلية خارقة لفهم الحقائق وشاء الله أن ينقل هذه القابلية من مرحلة القوة إلى مرحلة الفعل، وهذا ما عبر عنه القرآن بقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾.

﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ وأمام هذا الإختبار تراجع الملائكة لأنهم لم يملكوا هذه القدرة العلمية التي منحها الله لآدم، ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾.

وهكذا أدركت الملائكة تلك القدرة التي يحملها آدم، التي تجعله لائقا لخلافة الله على الأرض، وفهمت مكانة هذا الكائن في الوجود.

وحان الدور لآدم كي يشرح أسماء الموجودات وأسرارها أدم الملائكة: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

وهنا اتضح للملائكة أن هذا الموجود هو وحده اللائق لاستخلاف الأرض.

آدم (ع) في الجنة:

ينتقل القرآن إلى فصل آخر من موضوع عظمة الإنسان، ويقول: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾.

الآية المذكورة تقرير قرآني واضح صريح لشرف الإنسان وعظمة مكانته. فكل الملائكة يؤمرون بالسجود له بعد اكتمال خلقته.

حقا، إن هذا الموجود، اللائق لخلافة الله على الأرض، والمؤهل لهذا الشوط الكبير من التكامل وتربية أبناء عظام كالأنبياء وخاصة النبي الخاتم (ص)، يستحق كل احترام.

لماذا أبى إبليس؟

وإبليس كما صرح القرآن ما كان من جنس الملائكة وإن كان في صفوفهم، بل كان من طائفة الجن، وهي مخلوقات مادية.

باعثة على الإمتناع عن السجود كبر وغرور وتعصب خاص استولى عليه حيث اعتقد إنه أفضل من آدم، ولا ينبغي أن يصدر له أمر بالسجود لآدم، بل ينبغي أن يؤمر آدم بالسجود له.

ثم إن الله تعالى أخذ إبليس على عصيانه وطغيانه، و ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ في مقام الجواب- بعذر غير وجيه إذ: ﴿ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾.

وكأن إبليس كان يتصوّر أن النار أفضل من التراب، وهذه هي أكبر غلطاته وأخطائه، ولعلّه لم يقل ذلك عن خطأ والتباس، بل كذب عن وعي وفهم.

 

ولكن قصّة الشيطان لم تنته إلى هذا الحد، فهو عندما عرف بأنه صار مطرودا من حضرة ذي الجلال زاد من طغيانه ولجاجته، وبدل أن يتوب ويثوب إلى الله ويعترف بخطئه فإن الشيئ الوحيد الذي طلبه من الله تعالى هو أن يمهله ويؤجل موته إلى يوم القيامة: ﴿قال انظرني إلى يوم يبعثون﴾.

ولقد استجاب الله لهذا الطلب، فـ ﴿ قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )

إن القرآن الكريم وإن لم يصرح بالمقدار الذي استجيب من طلب الشيطان من حيث الزمن إلا إنه تعالى قال له: ﴿ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ {15} قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ وهذا يعني أن مطلب الشيطان لم يستجب له بتمامه وكماله، بل استجيب إلى الوقت الذي يعلمه الله تعالى.

غير أن الشيطان لم يبغ من مطلبه هذا (أي الإهمال الطويل) الحصول على فرصة لجبران ما فات منه أو ليعمّر طويلا، إنما كان هدفه من ذلك هو إغواء بني البشر ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾أي لأغويتهم كما غويت، ولأضلّنهم كما ضللت.

ثم إن الشيطان أضاف تأكيدا لقوله بأنه لن يكتفي بالقعود بالمرصاد لهم، بل سيأتيهم من كل حدب وصوب، ويسد عليهم الطريق من كل جانب ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ

ولهذا صدر الأمر بخروجه فقط، ولكن عندما أضاف معصية أكبر إلى معصيته بالعزم على إضلال الآخرين جاء الأمر المشدّد: ﴿قال أخرج منها مذموما مدحورا

ثم حلف على أن يملأ جهنم منه ومن أتباعه ﴿ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ).

الاستقرار في الجنة:

بعد هذا المشهد ومشهد إختبار الملائكة، أمر آدم و زوجه أن يسكنا الجنة ﴿ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ).

يستفاد من آيات القرآن أن آدم خلق للعيش على هذه الأرض لكن الله شاء أن يسكنه قبل ذلك الجنة، وهي روضة خضراء موفورة النعمة في هذا العالم، وخالية من كل ما يزعج آدم.

لعل مرحلة مكوث آدم في الجنة كانت مرحلة تحضيرية لعدم ممارسة آدم للحياة على الأرض وصعوبة تحمل المشاكل الدنيوية بدون مقدمة، ومن أجل تأهيل آدم لتحمل مسؤوليات المستقبل، ولتفهيمه أهمية حمل هذه المسؤوليات والتكاليف الإلهية في تحقيق سعادته، ولإعطائه صورة عن الشقاء الذي يستتبع إهمال هذه التكاليف، ولتنبيهه بالمحظورات التي سيواجهها على ظهر الأرض.

وكان من الضروري أيضا أن يعلم آدم بإمكان العودة إلى الله بعد المعصية. فمعصية الله  لا تسد إلى الابد أبواب السعادة أمامه، بل يستطيع أن يرجع ويعاهد الله أن لا يعود لمثلها، وعند ذاك يعود إلى النعم الإلهية.

ينبغي أن ينضج آدم (ع) في هذا الجوّ إلى حد معين، وأن يعرف أصدقاءه وأعداءه، ويتعلم كيف يعيش على ظهر الأرض. نعم، كانت هذه مجموعة من التعاليم الضرورية التي تؤهله للحياة على ظهر الأرض.

كانت هذه مقدمات تأهيلية يحتاجها آدم وأبناء آدم في حياتهم الجديدة. ولعل الفترة التي قضاها آدم في الجنة أن ينهض بمسئولية الخلافة على الأرض كانت تدريبية أو تمرينية.

المصدر:تفسير الأمثل