مصر.. وسؤال الشرعية

السبت 11 أغسطس 2018 - 11:23 بتوقيت غرينتش
مصر.. وسؤال الشرعية

مقالات - الکوثر: ومع انفتاح العقل العربي على الخارج، بفعل إعلام اجتماعي، يقوم فيه كل فرد بدور المحرر والرقيب والمتلقي، تجد الطغمة العسكرية الحاكمة نفسها في مأزق بحث عن "إنجاز"، يعطي البندقية وجهًا أليفًا أو يرسم داعيًا وطنيًا، ويبرر استمرار السيطرة والقمع على جموع الشعب، والأهم أنه يوفر لأتباعه ومتملقيه منطقًا للدفاع عنه، ومهاجمة معارضيه.

الوجه الجميل الذي تبحث عنه الأنظمة، ليس إلا "دهان كاذب"، فأطنان مواد التجميل لن تكفي لإخفاء الخيانة والظلم، ولن تبرر القهر، فالبومة حين تتخفى لن تخرج أبدًا عن حيز الغربان.

في مصر، كما في غيرها من بلدان عربية منكوبة تأتي كلمة "إنجازات" كأكثر الكلمات جريًا على ألسنة أركان النظام

في مصر، كما في غيرها من بلدان عربية منكوبة بحكام يتلقون الأوامر من واشنطن، تأتي كلمة "إنجازات"، كأكثر الكلمات جريًا على ألسنة أركان النظام المصري الحاكم، ومؤيديه، من إنجاز الانتصار على مجموعة من المعتصمين، مرورًا بحرب وهمية في سيناء، إلى إنجاز شق قناة السويس الجديدة في عام واحد، ثم إنجاز العاصمة الإدارية الجديدة، نهاية بإنجاز امتلاك صندوق ثروة سيادي، وكأن مصر عبرت فجأة إلى عداد الدول الغنية، هكذا وبدون مقدمات!

ولأن الشرعية في مصر هي سؤال اللحظة، فقد اختار النظام القائم الإجابة من بوابة "الأعمال الإنشائية" أو اقتصاد المقاولات والبناء، وهو تقليد "فرعوني" راسخ، منذ أن اختار القدماء المصريون أن يسجلوا وجودهم عبر أبنية تخلدهم وتقهر الزمن والنسيان، وتقف العاصمة الإدارية الجديدة كأهم أعمال النظام المصري في هذا المجال، للخروج من العاصمة التاريخية، التي ضاقت بحملها من الناس والوزارات، بعد تخطي أعداد سكان "القاهرة الكبرى" عتبة 20 مليون مواطن، يتركز منهم 10 ملايين في مدينة القاهرة والباقون موزعون على محافظة الجيزة ومدينة شبرا الخيمة (وتكوّن الثلاث مناطق إقليم القاهرة الكبرى الإداري).

تقديرات بناء العاصمة الجديدة إجمالًا، وطبقًا لتصريحات الرئيس المصري نفسه، في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي –الذي كان للمفارقة مؤتمرًا لدعم الاقتصاد المترنح- تبلغ نحو 45 مليار دولار، تكلفة المباني والمرافق والطرق وشبكات خدمات ذكية، وواجهت عقب إعلانها نكسة انسحاب شركة "إعمار" الإماراتية، المتخصصة في أعمال المقاولات، ثم بدأت شركات المقاولات الحكومية، وشركة "أوراسكوم" المملوكة لعائلة "ساويرس"، بإشراف من الجيش، في أعمال البناء.

الصحف الحكومية المصرية تمتلئ مع كل ظهور للرئيس بأخبار العاصمة الإدارية الجديدة

الصحف الحكومية المصرية تمتلئ مع كل ظهور للرئيس، بأخبار العاصمة الإدارية الجديدة، بداية من تصميمات تجعل مدن أوروبا جوارها مجرد مدن أشباح، أو مدافن، نهاية بالإعلان عن بناء أكبر مسجد، وأكبر كنيسة، وأكبر متحف أديان، وأكبر وأكبر.. بدون إعلان عن مصادر التمويل الهائلة المطلوبة لإنجاز الأعمال الإنشائية، مع تراجع مريع يضرب البلد، ويقطر على المواطنين، سواء في احتياجاتهم الأساسية، أو يهدد واجبات الدولة ذاتها.

عداوة النظام مع التخطيط والمنطق، تحولت إلى مأساة، ورغم فشل مشروع حفر تفريعة قناة السويس في تحقيق زيادة الإيرادات، وعدم افتتاح أي مشروع في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي يرأسها صاحب اقتراح حفر القناة مهاب مميش، وبلغت محاولات النظام في تبرير المشروع حد الفكاهة، بعد فوضى الأرقام التي تقال على لسان أرفع مسئولي الدولة، في مؤتمرات عامة، ومحاولات التلاعب بأسعار الصرف المتغيرة للجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي، لتصدير إيحاء بأن تكاليف الحفر أقل من رسوم العبور!

على سبيل المثال، في مؤتمر الشباب الأخير، قال رئيس هيئة القناة، أمام الرئيس والحضور، إن تكلفة الحفر كانت 20 مليار جنيه –رغم أنه قال إن التكلفة وقت الحفر بلغت 8 مليارات دولار- ثم يستكمل ويقارن زيادة الإيرادات بالدولار على أساس سعر الدولار الحالي (17.8 جنيه/دولار)، رغم أن سعر الدولار وقت الحفر لم يتجاوز 8 جنيهات، وأغلب الاقتصاديين يرجع أزمة الدولار والاضطرار لتحرير سعر الصرف إلى تبديد نصف الاحتياطي النقدي الأجنبي على مصاريف الحفر في وقت قياسي، جعل مصر تستعين بـ 75% من كراكات العالم لتنفيذ المشروع.

الأغرب في الأرقام، افتراض حدوث زيادة في الإيرادات، رغم إنها –بشهادة بيانات هيئة القناة- بلغت 16 مليار دولار في آخر 3 أعوام، وكانت تدور حول 5.2 مليار دولار قبل الحفر، وهي تعتبر زيادة طبيعية، مرجعها النمو الطبيعي في حركة التجارة العالمية.

التخطيط الساقط من حسابات النظام والحكومة، دفع الجميع إلى تبنى مشروع قومي (كلمة كبيرة ساء استخدامه) بلا لافتة

التخطيط الساقط من حسابات النظام والحكومة، دفع الجميع إلى تبنى مشروع قومي (كلمة كبيرة ساء استخدامه)، بلا لافتة، العاصمة الجديدة حتى الآن بلا اسم يميزها كمدينة، مثل أي مدينة في العالم، هي فقط عاصمة وجديدة، وأخيرًا تذكروا مع قرب الافتتاح ضرورة تسميتها، فخرجت مسابقة لاختيار اسم للمدينة، أعلن عنها العميد خالد الحسيني، المتحدث الرسمي باسم "شركة العاصمة الإدارية الجديدة"، بجائزة مليون جنيه للاسم والشعار.

المواطن المصري يدفع ثمن غياب التخطيط يوميًا، سواء في وسائل مواصلات غير أدمية –تكفي رحلة واحدة في مترو أنفاق القاهرة للحسرة على الحال- إلى مستشفيات تنعدم فيها مستلزمات العلاج، مرورًا بطرق حصدت خلال الأسبوع الأخير فقط عشرات القتلى، إلى حوادث سرقة وقتل من أجل جنيهات قليلة، وأخيرًا معدلات طلاق تفوق نسب الزواج، ووفقا للإحصاءات والبيانات الرسمية، فإن حالة طلاق واحدة، تحدث كل 4 دقائق، وإجمالي حالات الطلاق على مستوى اليوم الواحد تتجاوز 250 حالة، وتتداول المحاكم حاليًا 14 مليون قضية طلاق، مع زيادة في سن الزواج، بلغ متوسطه 30.1 للشباب و24 عامًا للإناث.

والأرقام السلبية مرشحة للتصاعد، مع قلة الدخول الحقيقية من جهة، وزيادة أسعار الشقق، والتي تتحدد في مصر بشكل أساسي بناء على أسعار وزارة الإسكان –كان يبلغ مقدم سعر شقة الشباب قبل 2011 نحو 5 آلاف جنيه، ارتفعت الآن إلى 150 ألف- ووصل سعر شقق العاصمة الإدارية الجديدة إلى مبالغ تفوق المليون جنيه، وهو ما أدى إلى اشتعال أسعار العقارات والأراضي.

ويبقى السؤال معلقًا، ينتظر الإجابة من الشارع، بعد سقوط النخبة السياسية أمام كل - وأي - تحد وطني، هل ينجح نظام يخاصم الأغلبية الساحقة من شعبه، وهل يستطيع أن يستكمل طريقه بمعاداة الأماني الوطنية.. الأيام والميادين قادران على الإجابة قريبًا.

31