دروس...في ولاية الفقيه(12)

السبت 11 أغسطس 2018 - 13:39 بتوقيت غرينتش
دروس...في ولاية الفقيه(12)

ويلزم الإشارة إلى هذه النقطة أيضاً وهي أنه عندما يجري الكلام حول الضرورة الذاتية بل الأزلية لبعض الأفعال بالنسبة لحضرة الحق سبحانه وتعالى في المسائل الكلامية ويقال حينها "يجب على الله أن يفعل كذا" ...

الضرورة على الله و من الله
بعد أن تبين أن الضرورة التي تبحث في المسائل الكلامية هي غير الضرورة الاعتبارية بمعنى الوجوب في مقابل الحرمة، يعلم أن أفعال الله تبارك وتعالى لا يمكن أن تكون محكومة بالأحكام الإعتبارية.

ويلزم الإشارة إلى هذه النقطة أيضاً وهي أنه عندما يجري الكلام حول الضرورة الذاتية بل الأزلية لبعض الأفعال بالنسبة لحضرة الحق سبحانه وتعالى في المسائل الكلامية ويقال حينها "يجب على الله أن يفعل كذا" أو أنه يجب على الله أن يعين رسولاً أو إماماً أو والياً، وبالرغم من أن الحديث يدور حول الوجوب مقابل الإقناع، فإن في جميع هذه الموارد لا يثبت شيئاً على الله. إذ خلافاً لرأي المعتزلة الذين يعتبرون الله محكوماً بالقوانين العقلية، فإن الإمامية تقول بأن الله هو الوجود المطلق وهذا ما يوجب جميع اليقينيات، ومنها العقل والأحكام المرتبطة به. وهكذا فإنه المهيمن على القواعد العقلية، دون أن يكون تابعاً لأية قاعدة عقلية وقانونية. فكل قانون نأخذه بعين الاعتبار إما أن يكون موجوداً أو معدوماً. فإذا كان معدوماً فلا صلاحية له على الحكومة، وإذا كان موجوداً فإنه ممكن بدون شك، والممكن في أصله وحقيقته محتاج إلى الواجب.
هذا التفكير التوحيدي لا يستلزم الأخذ بفكر الأشاعرة، لأنهم يبينون الفاعلية المطلقة لله مستفيدين من الآية الكريمة ﴿والله يفعل ما يشاء على أساس الإرادة الجزافية، في حين أن الإمامية، تعتقد بأن الله حكيم ولا يصدر منه إلا الأفعال الحكيمة وهذا غير كلام المعتزلة التي تقول بأن الحكمة ضرورة على الله ولازمة، فالكلام الأول من الإمامية يعود إلى "الوجوب من الله" في حين أن الرأي الثاني عند المعتزلة يعود إلى "الوجوب على الله".
ومعنى الوجوب من الله هو أن الخير والنظم وأمثالها تصدر على نحو اليقين منه، أما معنى الوجوب على الله فهو أنه محكوم بالأمور التي تصدر منه.
وبعبارة أخرى معنى الوجوب من الله هو أن الله تبارك وتعالى هو الفاعل الموجب (بكسر الجيم) في حين أن الوجوب على الله يعني أنه سبحانه فاعل موجب (بفتح الجيم): تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

 طرح أصول الدين في المسائل الكلامية والفقهية
وقد علمنا من خلال ما بيناه حول تمايز المسائل الفقهية والكلامية أن ولاية الفقيه ليست المسألة الوحيدة التي يمكن أن تقع مورداً للبحث من الجهتين، بحيث أنها تلحق من جهة بالمسائل الفقهية ومن جهة أخرى تلحق بالمسائل الكلامية، بل أن كافة أصول الدين يمكن أن يبحث بشأنها من الجهتين. فمن الناحية الكلامية يكون البحث حول ضرورة هذه الأصول مع حفظ معنى الضرورة على نفس النسق الذي يستفاد منه في القضايا المرتبطة بالوجودات التكوينية. لأن البحث الكلامي في أصول الدين بحث في قسم من الوجودات مثل البحث عن وجود الله ووحدته والبحث عن وجود المعاد أو النبى أو المعاجز المرتبطة بالأنبياء أو كرامات الأولياء، أما من جهته الفقهية فالكلام يدور حول ضرورة ووجوب هذه الأصول لكن هذه الضرورة ليست ضرورة أو وجوباً ذاتياً أو أزلياً مما يستفاد منه في القضايا المرتبطة بالوجودات. بل أن هذه الضرورة بمعنى الوجوب في مقابل الحرمة (ينبغي ولا ينبغي) لأنهما من الأمور الإعتبارية التي تتعلق بأفعال المكلفين.

فلا يوجد مانع أبداً من أن يكون الوجود جزءا من أصول الدين ويطرح في الأبحاث الكلامية ويكون وجوبه التشريعي مبحوثاً في المسائل الفقهية. بالرغم من أن العقل في مثل هذه الموارد يكون هو الكاشف عن وجوبه التشريعي، لأنه كما سبق القول مثل الإجماع في كثير من الأمور يتدخل في كشف الحكم الشرعي.

وبناء على هذا، فإن البحث في الوجودات التي تعود إلى الله سبحانه كالبحث عن التوحيد والنبوة والمعاد والرسالة هو بحث كلامي، أما بالنسبة لما يجب على المكلف الاعتقاد به، من الله والقيامة والنبوة والملائكة وأمثالها فهذا أمر فقهي، مثل مسألة تعيين الإمام التي تصدر يقيناً من الله التي هي مسألة كلامية في حين أن وجوب قبول المسؤولية ومنصب الإمامة وكذلك وجوب قبول الإمامة على الناس يعد مسألة فقهية.

سبب كون الإمامة مسألة فقهية عند الأشاعرة والمعتزلة
بالرغم من طرح بحث الإمامة في كتب أهل الكلام، لكن بعد التأمل يتضح أن هذه المسألة عند الأشاعرة وأكثر المعتزلة هي مسألة فقهية.
فكما بيَّنا، فإن شرط "فقهية" أو "كلامية" مسألة ما لا يكون في كيفية عرضها بين المسائل الفقهية والكلامية، بل في الموضوع الذي يبحث فيه عن تلك المسألة.
الأشاعرة لأنهم اعتقدوا بالإرادة الجزافية وأنكروا الحسن والقبح العقليين فقد أنكروا ضرورة ولزوم صدور أي عمل من الله. ونتيجة هذا الرأي عدم لزوم تعيين الإمام من الله سبحانه.
وبعد هذا النفي للضرورة سعى الأشاعرة لإثبات وجوب تعيين الإمام على الناس بالأدلة السمعية.
والمعتزلة أيضاً لم يقولوا بوجوب تعيين الإمام من الله سبحانه لكنهم يثبتون ضرورة وجوب تعيين الإمام على الناس عن طريق وجوب مقدمة الواجب بالدليل العقلي. وعلى أية حال، فإن نتيجة هذا التفكر عند الطائفتين خروج مسألة الإمامة من إطار المسائل الكلامية وانحصارها في زمرة الأبحاث الفقهية. لأنه في علم الكلام الذي يبحث بشأن الله المتعال والأسماء والأفعال الإلهية يدور الحديث حول الوجود والعدم لا عما يجب ولا ينبغي.

وبإلحاق مسألة الإمامة بالأبحاث الفقهية وعدم طرحها في الأبحاث الكلامية نعلم السبب في اعتبار الأشاعرة والمعتزلة لمسألة الإمامة في أنها من فروع الدين.

المصدر:مجلة بقية الله

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم