هل تعلم...ما هي العلاقة بين الحجر الأسود وعالم الذر؟

الأحد 12 أغسطس 2018 - 05:38 بتوقيت غرينتش
هل تعلم...ما هي العلاقة بين الحجر الأسود وعالم الذر؟

فالحجر الأسود قطعة من الجنة. وضع اللَّه فيه أسراراً لا يمكن للعقل أن يدركها أو أن يصل إليها وقد كشف عنها الأئمة عليهم السلام وبينوها وأظهروا جوهرها...

الشيخ خليل رزق

الحجر الأسود هو حجر مصقول بشكل غير منتظم، لونه أسود يميل للاحمرار وفيه نقط حمراء وتعاريج صفراء وهو ليس حجراً عادياً؛ فالحجر الأسود قطعة من الجنة. وضع اللَّه فيه أسراراً لا يمكن للعقل أن يدركها أو أن يصل إليها وقد كشف عنها الأئمة عليهم السلام وبينوها وأظهروا جوهرها، إنه يشهد لمن وافاه يوم القيامة، وهذا ثابت عند المسلمين كافة. ففي الحديث الصحيح عن الإمام أبي عبد اللَّه جعفر الصادق عليه السلام: "إذا دنوت من الحجر الأسود فارفع يديك واحمد اللَّه وأثني عليه وصلِّ على النبي صلى الله عليه وآله واسأل اللَّه أن يتقبل منك، ثم استلم الحجر وقبِّله، فإن لم تستطع أن تقبله، فاستلمه بيدك، فإن لم تستطع أن تستلمه بيدك فأشر إليه، وقل: اللهم أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته، لتشهد لي بالموافاة إن هذا الميثاق ذكر في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ...﴾.

هذا الميثاق أخذه اللَّه من بني آدم ثم أودعه هذا الحجر المكرّم، فمن أتى إليه ووافاه شهد له بالوفاء بعهده وقد ورد في الحديث عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنه قال: "إن اللَّه تبارك وتعالى لما أخذ مواثيق العباد أمر الحجر فالتقمها، فلذلك يقال: أمانتي أديتها، وميثاقي تعاهدته، لتشهد لي بالموافاة" (وسائل الشيعة ب‏13، ح‏4). وفي الخبر: "إن الحجر الأسود ياقوتة من يواقيت الجنة، وأنه يبعث يوم القيامة له عينان ولسان ينطق به، ويشهد لكل من استلمه بحق وبصدق، وكان النبي صلى الله عليه وآله يقبله كثيراً". (وسائل الشيعة ب‏13، ح‏15). وقبَّله عمر بن الخطاب ثم قال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقبلك ما قبلتك... وسمعه الإمام علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين بل هو يضر وينفع. قال: وكيف؟ قال:"إن اللَّه تعالى لما أخذ الميثاق على الذرية، كتب عليهم كتاباً، ثم ألقمه هذا الحجر؛ فهو يشهد للمؤمن بالوفاء، ويشهد على الكافر بالجحود". وفي بعض الروايات أن سبب سواد لون الحجر الأسود هو خطايا بني آدم كما روي عن محمد بن علي بن الحسين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وأنه كان أشد بياضاً من الثلج، وأنه لولا ما مسّه من أرجاس الجاهلية، ما مسّه ذو عاهة إلا برى‏ء (الوسائل، ج‏3، ص‏318).

 الارتباط بين الحجر الأسود وعالم الذر:
هناك شي‏ء واضح في الروايات يشير إلى الارتباط بين هذا الحجر الكريم وعالم خلق الأرواح وفطرتها على الشهادة للَّه تعالى، حيث أنه هو الجهة المادية التي تسجل فيها شهادات الخلق للَّه تعالى بالربوبية، وكأنه هو مظهر اللوح المحفوظ، فإذا جاءه الإنسان في الدنيا، وطاف حول البيت الحرام، واستلمه. فهو يكون قد أقر للَّه تعالى بالربوبية، وأطاعه، وأقر على نفسه بالعبودية وكأنه قد وفى بعهده، ويشهد له هذا الحجر في القيامة بذلك، لأنه يأتيه كل من آمن باللَّه على حق المعرفة، وعمل بطاعته وخضع لربوبيته. أما من لم يأته أو أتاه كافراً بحقه فإنه يترك تأثيره عليه فيزداد سواداً ويلتقم صورته الحقيقية كنقطة سوداء تبقى وتظهر أيضاً عند الحساب وعرض الأعمال وظهور البواطن. إذن الحجر الأسود له ارتباط بفطرة الإنسان.

 ولارتباط الميثاق بالحجر معنى آخر، وهو أن هذا الحجرالجامد قد وصل إلى هذه المنزلة الكريمة بإقراره التكويني باللَّه وشهادته به، وهنا يلتقي الإنسان مع الحجر الذي هو من الأرض التي جبلت منه طينته، ومن المادة التي تكون منها جسده، ويعني ذلك أن اللَّه كما فطر الحجر على الشهادة له بالخالقية والألوهية والربوبية، كذلك فطر الإنسان، وبهذه الشهادة استحق الحجر أن يأتيه المؤمنون باللَّه ليستلموه ويفوا بعهدهم للَّه، وبها يستحق الإنسان أن يكون النقطة التي تدور عليها رحى الخلق والكون.

ولعل اللَّه قد أراد باستلامه هذا الحجر الكريم على صغره بالنسبة لحجم الأرض والكون، أن يوجه الخلائق إلى نقطة ارتكاز واحدة تتحد فيها وجهتهم ﴿ولكل وجهة هو موليها، فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره...﴾ فهو تعبير عن عودة الخلائق إلى مبدئها، كما يعود الإنسان إلى الذر، أو الذرة التي خلق منها فتتوجه كل قواه إليها وإلى العهد الذي عاهدت به اللَّه تعالى، وهي عودة إلى الفطرة الإلهية التي فطر اللَّه تعالى عليها الذر الذي خلق منه الإنسان. هذا بعض من معاني ارتباط الحجرالأسود وعالم الذر قد يستفاد من ربطهما في الروايات فلنذكر بذكر الحجر خلقنا، وفطرتنا، وعودنا إلى اللَّه، ولنذكر بسواده خطايانا، ووعدنا للَّه وعهدنا معه.

المصدر:مجلة بقية الله