أوروبا وواشنطن... هل يحدث افتراق الحليفين؟

الأحد 16 سبتمبر 2018 - 16:08 بتوقيت غرينتش
أوروبا وواشنطن... هل يحدث افتراق الحليفين؟

مقالات - الكوثر: تعود الخلافات بين الدول الأوروبية في حلف الناتو والولايات المتحدة إلى بداية التسعينات من خلال التطلعات الأوروبية للعب دور أكبر عالميا، والضغط الأميركي على الاتحاد الأوروبي لتحمّل مسؤولية تحقيق الاستقرار في منطقتيه الشرقية والجنوبية. يريد الأميركيون أن يعودوا إلى مبدأ فترة الحرب الباردة بتقاسم الأعباء، إذ إنھم يشكون من أن الأوروبيين يعتمدون اعتمادا مطلقا على الضمانات الأمنية الأميركية، بينما ينبغي أن يحشدوا المزيد من الموارد للدفاع عن أنفسھم.

مظاھر الخلاف دارت حول قضايا أمنية وسياسية وتجارية تطورت بين الجانبين، وبدأت تظھر بشكل أقوى في التعاطي مع قضايا العالم، الذي يعكس في حقيقته خلافا حول المكانة في العالم، وحول رفض القوى الأوروبية الرئيسة أسلوب الھيمنة الأميركية.

فعلى المستوى السياسي، كان الصراع في البوسنة شاھداً على ذلك، كما رفضت معظم الدول الأوروبية سياسة الاحتواء المزدوج لكل من إيران والعراق، حيث قاوم الأوروبيون سياسة العقوبات الاقتصادية على إيران، واختلفوا مع واشنطن حول أسلوب التعامل مع كوبا، كما كانت للأوروبيين وجھات نظر مختلفة حول قضايا عملية السلام في الشرق الأوسط. واشتكى الأوروبيون من عدم حساسية الولايات المتحدة للاعتبارات والمصالح الأوروبية في ھذه المنطقة، ولعوامل القرب الجغرافي لشمال أفريقيا والشرق الأوسط لأوروبا.

كما برز الخلاف على المستوى الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي، وقد ضاعف من ذلك اتجاه الاقتصاد إلى العالمية، ما أوحى بأن الطرفين يتحركان نحو صراع لا مصالحة فيه حول مصالح اقتصادية وصناعية، على خلفية أنه في بيئة العولمة يتجه التطور الطبيعي إلى التنافس الصناعي، وخصوصا في الصناعات الاستراتيجية العالية التكنولوجيا، التي يعتبرھا الجانبان جوھرية للسيادة الأحادية والأمن القومي.

ومع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى البيت الأبيض، ازدادت الخلافات وتعزز التوتر بين الطرفين نتيجة سياساته الحادة، سياسيا واقتصاديا، تجاه الاتحاد الأوروبي. فمنذ توليه منصبه، يتخذ قرارا تلو الآخر بشكل أحادي. في البداية كان انسحابه من اتفاق باريس للتغيير المناخي، ثم تعمد إحداث إرباك في سياسات اقتصادية عالمية تستھدف الدول الأوروبية، وصولا لمطالبته من الأخيرة برفع حصتھا في دعم حلف للناتو، وإعلانه أنه يريد خفض الإنفاق الأميركي على الدفاع عن أوروبا إذا لم تكن راغبة في المساھمة بشكل أكبر في الناتو. ولم تتوقف سياسات ترامب الھجومية ضد أوروبا عند ھذا الحد، بل استمرت لتشمل فرض رسوم ضرائب على الصلب والفولاذ الأوروبي ومنتجاته من الألمنيوم، إضافة الى انتقاداته الدائمة لسياسة الھجرة التي تتبعھا ألمانيا، ومديحه المتكرر لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. بعدھا كان قراره نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وأخيرا انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني الذي اعتبره الأوروبيون استھدافا مباشرا للشركات الأوروبية العاملة في إيران.

وما زاد من حدة التوتر، العلاقة المستجدة بين ترامب وبوتين التي جاءت لتعمق المخاوف الأوروبية من ترجمة تصريحات ترامب، وانتقاداته عمليا في سياسات ملموسة مختلفة حيال روسيا، وثمة تخوف أوروبي عميق وحقيقي من أن تفجر مواقف ترامب السلبية الحلف الأطلسي، لأن ھجمات ترامب المستمرة على المؤسسات الغربية مثل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، واستخفافه العلني بزعماء الحلف، تعكس إصراره على الانسحاب من العمل الجماعي الغربي، ونبذ المؤسسات التقليدية، والعمل على المستوى الدولي بشكل منفرد انطلاقا من مفھومه الذي يلخصه بكلمتين "أميركا أولا".

باختصار، الاختلاف بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة يتمحور حول النقاط التالية:

- الأھمية النسبية للشرق الأوسط لكل معسكر: الإدارة الأميركية الحالية لا تعتبر نزاعات المنطقة ككل أولوية سياسية، بينما أوروبا أكثر اھتماما، وذلك بسبب قرب المنطقة الجغرافي ما يجعل التھديد الناشئ عن الشرق الأوسط أكثر إلحاحا.

- إيران ھي نقطة الاحتكاك الرئيسية بين الولايات المتحدة وأوروبا اليوم: أوروبا حريصة على إنقاذ الاتفاق النووي، وھو أمر تعارضه الإدارة الأميركية الحالية بقوة. في الواقع، يبدو الأوروبيون كأنھم أمام جبل من الصعوبات، خصوصا أن علامات حرب اقتصادية بدأت تلوح في الأفق بين واشنطن والعواصم الأوروبية خصوصا باريس وبرلين ولندن، وهذا يطرح التساؤل حول ما إذا كانت أوروبا قادرة على الخروج من العباءة الأميركية، والتخلي عن حليفھا الاستراتيجي الذي تستند إليه كثيرا في تجارتھا وأمنھا الإقليمي. وما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع أن تلفظ حلفاءھا الأوروبيين وتعتبرھم غير ذوي أھمية، وأنھا لا تحتاجھم أو أنھا تستطيع أن تحصل على حلفاء أفضل.

يقول محللون استراتيجيون إن أوروبا لھا سجل في الانصياع للقرار الأميركي، على سبيل المثال الموقف الأوروبي من غزو العراق في بدايته كان مغايرا للسلوك الأميركي، إلا أنھا بعد ذلك انصاعت وأرسلت قواتھا للعراق الى جانب أميركا، لذلك فإن أوروبا في نھاية المطاف سترضخ لإملاءات أميركا. وفي أغلب الظن ستصبح العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا أكثر فأكثر علاقة "مساكنة". سوف يتعاون الحلفاء القدامى على أساس المعاملات في المجالات ذات الاھتمام المشترك مثل مكافحة الإرھاب والتجارة، ودعم الاستقرار وإعادة الإعمار في العراق وفي سوريا. وإذا طورت الولايات المتحدة حلا عمليا للنزاع السوري، فيمكن لأوروبا أن تلعب دورا في تنفيذه. وإلا، فإن انتھاء الشراكة بين الطرفين.

في الواقع، لقد فشلت أوروبا حتى الآن في بناء سياسات خارجية بديلة. لكن المشكلة بالنسبة للأوروبيين أنھم يدركون أنه لا غنى لھم في الوقت الراھن، وربما في المستقبل المنظور، عن مظلة الحماية الأميركية، لأن ھدف الاعتماد على النفس سيحتاج زمنا طويلا، كما سيتطلب زيادة كبيرة في إنفاقھم العسكري.

وجھات نظر الأوروبيين والأميركيين تتباعد. وفي النهاية، يبدو أن العالم الآن على مشارف حقبة أميركية جديدة سوف تؤدي الى تغييرات جيواستراتيجية لا أحد يعرف مضاعفاتھا الكاملة على علاقات الولايات المتحدة مع حلفائھا القدامى في أوروبا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية.

بقلم : سركيس ابو زيد

31