وهم التجديد!!

الثلاثاء 8 يناير 2019 - 09:03 بتوقيت غرينتش
وهم التجديد!!

مقالات - الكوثر: (القسم الأول) بعد فترة طويلة من الانقطاع تواصلت منذ فترة وجيزة مع صديقي الأستاذ ماجد الغرباوي المقيم في أستراليا حاليا..فبعث لي - مشكورا - أثنين من مؤلفاته (مدارات عقائدية ساخنة...) و (جدلية السياسة والوعي... ).

قرأت الأول، لا اقول أنني صدمت لأني أعرف الأستاذ ابو صادق منذ زمن والفضاء الفكري الذي يعيشه منذ قم ونقده للمؤسسة الدينية التي ينتمي اليها فكريا وسلوكيا، لكن هالني محاولاته في القطيعة مع الماضي، على طريقة آباء عصر التنوير في أوروبا وحملة روح القرن الثامن عشر!!!... وكأنه لم يقرأ تجارب من جاء بعدهم في عصور الحداثة وما بعدها وما بعد بعدها.

وبغض النظر عن تقييمي للحوار / الكتاب الذي سأورد بعض ملاحظاتي عليه بشكل نقاط في القسم الثاني من المقال ان شاء الله تعالى، أجد أن قضية التجديد صارت موجة عند بعض الناس التي تتحدث بها وأنه لابد من ركوبها.. سلوك منطلقاته الأساسية نفسية والكتابة فيه عصبية، تتلمس بين أسطرها حس الانتقام من الماضي والانسلاخ عنه بشتى الطرق، حتى لو كانت وهمية وباسلوب المغالطة.

وتجد المجدد يريد ان يبرز لك ذاته، ويحاول أن يقول لك: إنني مهم، أنا مفكر، أنا فيلسوف، أنا ساخط، أنا ناقم، الجميع مخطئون، كذابون مدلسون، سارقون، فاسدون ...الخ، وأنا فقط الصحيح والطاهر المطهر!!

يريد ان يقول لك انك ومنظومتك الفكرية من قمعتني ولم تسمح لي بان اكون ما صرت اليه عندما هجرت نمطيتك في التفكير وجغرافيا فهمك!!

طبعا - والله يشهد على ما أقول - لا أقصد بذلك الأستاذ الصديق ماجد الذي أكن له كل المحبة والأحترام، وان كنت أشكل عليه في بعضها، لكن هذه المشكلة سمة عامة عند أغلب من يدعون التجديد.. سواء كانوا كذلك أو لم يكونوا!!

فالمجدد أحمد القبانجي - مثلا - تشمئز منه عندما يتحدث، لأنك ترى في كلامه ومنطقه وشكله التفاهة والازدواجية، والأسوء من أحمد القبانجي، أياد جمال الدين الروزخون الفاسد والحرامي الذي عاش على معاناة الشعب العراقي ولايفتأ يضحك على ذقون الناس... ناهيك عن المجدد مجتبى الشيرازي وتياره!!!

ان اشتداد موجة التجديد - بهذا الشكل - خلال العقدين الماضيين بالتحديد، وبغض النظر عن كتابات وترجمات جملة من المفكرين المسلمين في هذا الشأن، يعود حسب رأيي الى:

1. ظهور تجارب الاسلاميين، والمعضلات التي واجهتها عملية ممارسة السلطة وسياسة المولاة، وغياب المرونة الفكرية اللازمة التي تحتاجها مسألة ادارة المجتمع.

2. فشل الاسلاميين او افشالهم في ادارة الدولة، وأنا هنا أتحدث عن العراق ومصر بالتحديد، وما كان لذلك من تبعات على الفكر الديني عامة.

3. فساد السلطة التي مارسها الاسلاميون، لذلك يحاول البعض التبري منها من خلال شدة نقدها والأسس الفكرية التي تقوم عليها او تدعو لها، حتى لو كان الناقد مشاركا هو في فسادها مباشرة او بشكل غير مباشر.. واحيانا في مقدمة ذلك!!

4. عدم قدرة الحوزة العلمية او غالبا عدم رغبتها في الاجابة على العديد من التساؤلات والاشكالات الفكرية والفلسفية تحت ذرائع مختلفة، أكثر من ذلك فقد مارس بعضها عملية قمع فكري وإغتيال شخصي لكل من يطرح فكرة جديدة لا تنسجم مع منهجيتهم التقليدية.

5. استفحال تيار الخرافة في حواضرنا العلمية، هذا التيار المشبوه الذي يلقى دعما من بعض المرجعيات وصمتا إزاء ممارساته المشينة من قبل مرجعيات أخرى.

6. حاجة الفكر الشيعي والاسلامي عامة الى إعادة نظر ومراجعة في كثير من القضايا، وتقديم قراءة جديدة قد تنتهي الى شطب بعض ما وصل الينا من قراءات سابقة.. والأهم من ذلك ضرورة غربلة التراث والنص الديني الذي تقوم عليه هذه العقائد والقراءات، وعدم التعامل معها بروح الانتصارات والهزائم المذهبية.

7. ضرورة تقليل منسوب القداسة عن الرأي الديني والعالم الديني، وما يترتب على ذلك من ضرورة محاسبته، خاصة في الشأن المالي.. والقضاء على الطبقية التي يعاني منها المجتمع الديني عامة.

8. الهجمة الاعلامية الغربية الممنهجة ضد الدين الواعي والحركي والقيم الدينية والوطنية، هذه الهجمة التي تشارك فيها مواقع وحسابات عن طيب نفس وبساطة احيانا، والتي ميدانها الأول مواقع التواصل الاجتماعي.

9. ظهور دموية وعدم انسانية التطرف والتحجر والتكفير الديني في الشق السني من الاسلام على يد التيارات السلفية التيمية الوهابية.. وخوف بعض مفكري الشيعة من سريان فيروس التكفير والارهاب هذا الى مناخاتهم الفكرية.

وعلى اساس ما تقدم عندما غاب المشروع الحقيقي في التجديد على غرار ما قام به الامام الخميني والامام الشهيد محمد باقر الصدر والشيخ الشهيد مرتضى مطهري (رضوان الله عليهم) وقبلهم وبعدهم آخرون... صارت مشاريع التجديد بيد كل من هب ودب.. طبعا في جزء من دعوات التجديد ايجابيات عديدة، أما التحول الى علم تجديدي ومفكر وفقيه مجدد و.... اولا لابد ان يقول لنا ما وجه تمايزه عن الاخرين من امثاله المجددين؟!! وما هو الجديد الذي جاء به؟!! أما ان يكرر علينا فقه الآخرين واشكالاتهم ونتائجهم ويتبع نفس مناهجهم في التجديد، على شاكلة فقهائنا اللذين يكررون علينا قراءة أسلافهم في العبادات والمعاملات منذ ألف سنة.. فهذا نوع من الإصابة بمشكلة تجديدية هي أقرب الى المشاكل النفسية منها الى الفكرية والمعرفية.

يتبع...

بقلم: علاء الرضائي

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم