فترة الشباب في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)

الثلاثاء 30 إبريل 2019 - 08:35 بتوقيت غرينتش
فترة الشباب في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)

اسلاميات – الكوثر: تُعتَبر فترةُ الشباب من أهمّ وأخطر الفترات في حياة الإنسان ففي هذه الفترة تبلغ الغريزة الجنسية نضجها وكمالها وتصبحُ النفسُ البشرية لعبة في أيدي الأهواء ويغلب طوفان الشهوة على فضاء العقل ويغطّي الظلامُ سماء التفكير وتشتد حاكمية الغرائز المادية وتتضاءل شعلة العقل وتترائى أمام عيون الشباب بين الحين والآخر وصباح مساء صروح عظيمة من الآمال الخيالية.

 

ولو مَلك الإنسانُ ـ في مثل هذه الفترة ـ شيئاً من الثروة لتحوَّلتْ حياته إلى مسألة في غاية الخطورة فالغرائز الحيوانية وصحة المزاج من جهة والامكانات المادية والمالية من جهة اُخرى تتعاضدان وتغرقان المرء في بحر من الشهوات والنزوات وتهيِّئان له عالماً بعيداً عن التفكير في المستقبل.

 

ومن هنا يصف المربّون العلماء تلك الفترة الحساسة بأنها الحدّ الفاصل بين الشقاء والسعادة والفترة الّتي قلما يستطيع شاب أن يرسم لنفسه فيها مساراً معقولا ويختار لنفسه طريقاً واضحاً على امل الحصول على الملكات الفاضلة والنفسية الرفيعة الطاهرة الّتي تحفظه عن أي خطر متوقَع .

 

حقاً إن كبح جماح النفس وزمَّها وحفظها مِنَ الانزلاق في مهاوي الشهوات والنزوات في مثل هذه الفترة لهو أمر جدّ عسير ولو أن الانسانَ حُرمَ من تربية عائلية صحيحة مستقيمة كان عليه أن ينتظر مصيراً سيّئاً ومستقبلا في غاية البؤس والشقاء.

 

ليس من شك في ان فتى قريش محمَّد (صـلى الله علـيه وآله) كان يتمتع في أيام شبابه بصحة جيدة وقوة بدنية عالية وكان شجاعاً قوياً؛ لأنّه (صـلى الله علـيه وآله) قد تربى في بيئة حرة بعيدة عن ضوضاء الحياة وفتح عينيه في عائلة اتصف جميع أفرادها واعضائها بالشجاعة والفروسية هذا من جانب، ومن جانب آخر كان يمتلك ثروة خديجة الطائلة فكانت ظروفُ الترف والعيش الشهواني متوفرة له بشكل كامل ولكن كيف ترى استفاد من هذه الامكانات المادية هل مدَّ موائد العيش واللذة وشارك في مجالس السهر والسمر واللهو واللعب. واطلق العنان لشهوته وفكر في إشباع غرائزه الجنسية كغيره من شباب ذلك العصر وتلك البيئة الفاسدة.

 

أم أنَّه اختار لنفسه منهجاً آخر في حياته واستفاد من كل تلك الإمكانات في سبيل تحقيق حياة زاخرة بالمعنوية الأمر الّذي تبدو ملامحه بجلاء لمن تتبع تلك الفترة الحساسة من تاريخه.

 

ان التاريخ ليشهد بأنه (صـلى الله علـيه وآله) كان يعيش كما يعيش أي رجل رجل عاقل لبيب وفاضل رشيد وأنه طوى تلك السنوات الحساسة من حياته كأحسن ما يكون بعيداً عن العبث والترف والضياع والانزلاق إلى الشهوات والانسياق وراء التوافه.

 

بل ان التاريخ ليشهد بأنه كان اشد ما يكون نفوراً من اللهو والعبث والترف والمجون فقد كانت تلوح على محيّاه دائماً آثار التفكّر والتأمل وكثيراً مّا كان يلجأ إلى سفوح الجبال أو الكهوف والمغارات للابتعاد عن الجوّ الإجتماعي الموبوء في مكة يلبث هناك أياماً يتأمل فيها في آثار القدرة الآلهية وفي عظمة الصنع الالهي الرائع البديع.

 

أحاسيسه ومشاعره الإنسانية في فترة الشباب

 

لقد وقعت في احدى أسواق مكة ذات يوم حادثة هيّجت مشاعره الإنسانية وحركت عواطفه واحاسيسه فقد رأى مقامراً قد خسر بعيره وبيته بل بلغ الأمر به أن استرقهُ منافسُه عشرة أعوام.

 

وقد آلمت هذه القصة المأساوية فتى قريش محمَّد بشدة إلى درجة أنّه لم يَعُد يحتمل البقاء في مكة ذلك اليوم فغادرها من فوره وذهب إلى الجبال المحيطة بمكة ثم عاد بعد هزيع من الليل.

 

لقد كان رسول اللّه (صـلى الله علـيه وآله) ينزعج بشدة لهذه المشاهد المحزنة والاوضاع المأساوية وكان يتعجب من ضعف عقول قومه وانحطاط مداركهم.

 

ولقد كان بيت خديجة قبل زواج النبي (صـلى الله علـيه وآله) بها ملاذاً للفقراء وكعبة لآمال المساكين والمحرومين وبعد أن تزوج النبيُ (صـلى الله علـيه وآله) بها لم يطرأ على وضع ذلك البيت أيُ تغيير من جهة الانفاق والبذل.

 

ففي سنين الجدب والقحط الّتي كانت تضرب مكة وضواحيها بين الحين والآخر ربما قدمت حليمة السعدية مكة لتزور ولدها الرضاعي محمَّد فكان النبيّ (صـلى الله علـيه وآله) يكرمها ويحترمها ويفرش رداءه تحت أقدامها ويصغي لكلامها بعناية ولطف وفاء لجميلها وعرفاناً لعواطفها واُمومتها.

 

فقد روي أن حليمة قدِمت على رسول اللّه (صـلى الله علـيه وآله) مكة بعد تزوّجه خديجة فشكت إليه جدب البلاد وهلاك المواشي فكلَم رسولُ اللّه (صـلى الله علـيه وآله) خديجة فأعطتها بعيراً واربعين شاة وانصرفت إلى أهلها موفورة مسرورة.

 

وروي أيضاً انه استأذنت حليمة عليه ذات مرة فلما دخلت عليه قال : اُمّي اُمّي وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه .

 

الشيخ جعفر السبحاني

 

من كتاب "سيد المرسلين" ج‏1،ص276

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم