تحليل قرآني لزوال الكيان الصهيوني في الأمد القريب: زوال الظالم، سُنّةٌ قرآنية

الأحد 16 يونيو 2019 - 06:51 بتوقيت غرينتش
تحليل قرآني لزوال الكيان الصهيوني في الأمد القريب: زوال الظالم، سُنّةٌ قرآنية

الكوثر- قال الإمام الخامنئي في آخر خطاب له لدى لقائه بمسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية بتاريخ ٢٠١٨/١١/٢٥: ”من الواضح أنّ الكيان الصهيوني الخبيث اليوم باتَ أضعف من السابق. قبل بضعة أعوام، هُزم الكيان الصهيوني لدى مواجهته لحزب الله في لبنان؛ استطاع أن يصمد ٣٣ يوماً ومن ثمّ مُني بالهزيمة، وبعد عامين صمد ٢٢ يوماً في مواجهته للفلسطينيين ومن ثمّ لقيَ الهزيمة، وبعد بضعة أعوام استطاع أن يصمد ٨ أيّام أمام شعب غزّة المظلوم ومن ثمّ مُنيَ بالهزيمة، وأيضاً خلال الأسبوع الماضي استطاع أن يصمد يومين ومن ثمّ هُزم. هذا ضعف الكيان الصهيوني، وهو ضعف الكيان الصهيوني المتزايد بشكل يومي.“ في هذه المناسبة يتطرّق موقع KHAMENEI.IR الإعلامي ضمن المقالة التالية إلى تحليل المنطق القرآني لزوال الكيان الصهيوني في المدى القريب.

في اللقاء الذي انعقد مع الإمام الخامنئي بتاريخ ٢٠١٥/٩/٩تمّ الحديث عن وعد زوال الكيان الصهيوني خلال الأعوام الخمسة والعشرين القادمة: ”لن يكون هناك وجودٌ لشيء يُدعى إسرائيل في المنطقة بعد ٢٥ عام إن شاء الله وبتوفيق وفضل من الله عزّ وجل“. طبعاً فإنّ هذا الوعد كان قد جرى على لسان الإمام الخامنئي بمنتهى الصراحة في وقت سابق: ”الصهيونية والكيان الصهيوني الغاصب والمزيّف في فلسطين محكومين بالزّوال“ (١)، لكنّ ما جعل وعد عام ٢٠١٥ يبرز هو تحديد سقفٍ زمنيّ لزوال هذا الكيان.

 

ما هي القضيّة بالتحديد؟

ما يهدف إلى شرحه هذا المقال بالتحديد ليس أساس زوال الكيان الصهيوني؛ لأنّ المنطق القرآني الذي يتحدث حول سنّة انتصار الحق وزوال الباطل، هو من أصول نظام الخلقة الثابتة والشاملة والعصيّة على التغيير، وبناء على هذه السنّة فإنّ التقدّم بلا ريب من نصيب الحقّ في الصراع بين الحق والباطل. فبناءً على الآية الشريفة: «وَ لِیُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا وَ یَمْحَقَ الْکافِرِینَ» (٢)، فإنّ مستقبل التاريخ ومع انقضاء الوقت يسير باتجاه "التمحيص" أي تصفية المؤمنين من أيّ عيب، و"المحق" أي زوال الكافرين التدريجي (٣)؛ لذلك فإنّ القضيّة الرئيسيّة لهذا المقال هي:

 

مع الالتفات إلى تحديد الإمام الخامنئي لسقف زمني يبلغ ٢٥ عاماً فيما يخصّ زوال الكيان الصهيوني الغاصب، كيف يتمّ شرح اقتراب موعد هذا الزّوال من خلال الاستعانة بالآيات القرآنية؟ هل يمكن الحديث حول اقتراب موعد زوال الكيان الصّهيوني عبر الاستناد إلى آيات القرآن الكريم؟

نسعى من خلال هذا المقال إلى تقديم منطق داعم ”لاقتراب زوال“ الكيان الصهيوني في القرآن الكريم من خلال الاستناد إلى آراء تفسيرية للإمام الخامنئي والاستعانة بآراء سائر المفسرين أيضاً بشكل مختصر.

 

 

السُنّة القرآنية الأولى: العقاب السريع لتشريد المؤمنين

توجد آيات عديدة في القرآن الكريم تشرح هذا الأمر بأنّ إحدى السّنن الإلهيّة هي تسريع عذاب وفناء الأقوام الظالمة التي أقدمت على اغتصاب أراضي الرّسل الإلهيين والمؤمنين ومساكنهم وسعت لإخراجهم من أراضيهم.

 

بناءً على الآيتين ٧٦ و٧٧ من سورة الإسراء يخاطب الله عزّ وجل رسول الإسلام (صلّى الله عليه وآله): «وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا، سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا». بناءً على هاتين الآيتين، فإنّ إحدى السنن الإلهية الأبديّة كانت فناء الأقوام الذين أخرجوا رُسل الله من أراضيهم، وعبارة "لا يلبثون" تُظهر أنّ عقاب مثل هذا الظلم يحدث في فترة زمنيّة قصيرة (٤). وبناءً على بعض التفاسير، فإنّ هذه الآية تشمل كِلا الأنبياء وأتباعهم ولا تنحصر بإخراج الأنبياء (٥). كما أنّ سائر الآيات القرآنية تؤيّد نفس هذا المعنى؛ ففي الآية ١٣ من سورة إبراهيم يتمّ الحديث مجدّداً حول سنّة فناء وزوال الظالمين بسبب إخراج رُسل الله: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ». العلّامة الطباطبائي -ومع التدقيق في الآية ٨٨ من سورة الأعراف التي تتمّ فيها أيضاً مخاطبة رسول الله والمؤمنين، والحديث حول التهديد بالإخراج من الأرض (٦)- يعتقد أنّ التهديد بالإخراج في الآية ١٣ من سورة إبراهيم يشمل أيضاً الرّسل الإلهيين والمؤمنين، وما يتسبّب بفناء وزوال الكفّار هو الظلم الذي يرتكبونه مع إخراجهم رسل الحق وأتباعهم من أراضيهم (٧). لذلك فإنّ إخراج المؤمنين من أراضيهم هو ظلمٌ يستلزم عقاباً عاجلاً للظالمين بناءً على السّنن الإلهيّة.

 

 

 

السُنّة القرآنية الثانية: عقاب الظالمين على يد المؤمنين الجدراء

تشير مجموعة من الآيات القرآنية إلى أنّ سنّة زوال وفناء وتعذيب الظالمين تكرّست بشكل خاص بعد ظهور نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله)، ففي الأقوام السالفة ووفق ما ذكرته عدّة آيات من القرآن الكريم، كان العذاب يتحقّق دون واسطة ومن السماء، لكن واستناداً إلى آيات القرآن الكريم من ضمنها الآية ٥٣ من سورة البراءة يقول الله عزّوجل: «قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَ نَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِکُمْ أَنْ يُصيبَکُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَکُمْ مُتَرَبِّصُونَ». يتّضح هنا أنّ «العذاب ليس سماويّاً ودون واسطة دائماً، بل إنّ الله يُنزل العذاب على رؤوس الأعداء في بعض الأحيان على أيدي المؤمنين الجدراء» (٨). وبناء على الآية ١٤ من سورة البراءة التي نزلت لتخاطب المسلمين في عصر الرّسول الأكرم (صّلى الله عليه وآله)، فإنّ عذاب أعداء الإسلام مقرونٌ بجهاد المؤمنين: «قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ». هذه الآية تشير بوضوح إلى قاعدة إرشاديّة هام تقول بأنّه إن لم يدخل المؤمنون في صراع مع الكافرين والظالمين، فمن المحال أن يُنزل الله عليهم العذاب وينصر المؤمنين على الظالمين (٩). لذلك فلو تكاتف المؤمنون الجدراء في أيّ عصر وشاركوا في محاربة العدوّ، لن يكون هناك شكّ وريب في اضمحلال الجبهة المقابلة وسوف يتحقّق الوعد الإلهي بتعذيب الظالمين.

 

السُنّة القرآنية الثالثة: ظهور الحق وزوال الباطل

بناء على السُنّتين السابقتين، نصل إلى نتيجة تقول بأنّ عقاب الظالمين الذين أقدموا على إخراج وتهجير وتشريد المؤمنين، أسرع تحققاً من عقاب سائر أنواع الظلم، مع اختلاف أنّ تحقّق هذا العذاب منوطٌ بمشاركة المؤمنين في ميدان النّزال. السُنّة الثالثة والتي تُكمل هذا البحث هي أنّه كلّما تجلّى وظهر الحقّ أكثر فأكثر، سيتحقّق زوال الباطل وفناؤه ضمن فترة زمنية أقرب وبسرعة أكبر. بقدر ما تشرق الشمس المتوهّجة تتبدد الظّلمة وينجلي السواد، المهم هو مدى اكتمال إشراق الشمس. يمكننا الاستفادة من الآية الشريفة «وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ کانَ زَهُوقاً» (١٠)، بالقول أنّه لو كان للباطل ظهور ووجود، فهو بسبب أنّ الحق لم يظهر كما ينبغي له، وإلّا فإنّ الباطل يزول بمجرّد أن يظهر الحق (١١).

 

وعلى هذا الأساس أطلق الإمام الخامنئي في عام ٢٠١٥ الوعد بزوال الكيان الصهيوني خلال الأعوام الـ ٢٥ القادمة، إلا أن سماحته شرح بعد عام واحد –في خطاب آخر - أرضية تحقّق هذا الوعد على هذا النّحو: «الكيان الصهيوني وكما قلنا سابقاً لن يكون له وجود خارجي خلال الأعوام الـ ٢٥ القادمة، شرط انطلاق مواجهة فلسطينية وإسلامية شاملة ومتحّدة ضدّ الصهاينة». يتّضح من هذا الكلام أنّ ما سيُخضع الكيان الصهيوني هو نضال جبهة الحقّ الشامل والمتكاتف، وبتعبيرٍ آخر، تجلّي الحقّ المتنامي يوماً بعد يوم.

 

لذلك، فبقدر ما يساهم المؤمنون في تجلّي الحقّ وظهوره، ويغذّوا ويحسّنوا في ذواتهم خصائص الابتعاد عن النّزاعات المحلّية والتمسّك بالوحدة (١٢)، والجهاد الشامل (١٣)، والصّبر والتقوى الإلهيّة (١٤)، ومراعاة الحضور في جبهة واحدة والالتزام بقاعدة الولاية (١٥) - أي وجود تواصل وعلاقة وطيدة وقويّة وعصيّة على التفرقة بين المؤمنين (١٦)- فإنّ النصر الإلهي سيشملهم بشكل أسرع وستكون النتيجة اقتراب زوال أعداء الحقّ.

 

النتيجة

أدّى اندلاع الثورة الإسلامية في إيران إلى دخول طاقات المسلمين المتراكمة إلى الساحة، وتشكّل جبهة مقاومة ومتلاحمة ضدّ الكيان الصهيوني. وفي الأعوام التي تلت انتصار الثورة الإسلامية، تضاعفت قوّة جبهة المقاومة بشكلٍ متصاعد ويومي. وبالإمكان مشاهدة نتائج هذا الحدّ من القوة والثبات في الهزائم المتتالية التي تلقّاها الكيان الصهيوني من هذه الجبهة. يشير الإمام الخامنئي لدى لقائه بمسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية في حديثه عن المواجهة الأخيرة بين الكيان الصهيوني والشعب الفلسطيني في تشرين الثاني من العام ٢٠١٨ إلى هذا الضعف المتزايد، قائلاً: «قبل بضعة أعوام، هُزم الكيان الصهيوني لدى مواجهته لحزب الله في لبنان؛ استطاع أن يصمد ٣٣ يوماً ومن ثمّ مُني بالهزيمة؛ وبعد عامين صمد ٢٢ يوماً في مواجهته للفلسطينيين ومن ثمّ لقيَ الهزيمة؛ وبعد بضعة أعوام استطاع أن يصمد ٨ أيّام أمام شعب غزّة المظلوم ومن ثمّ مُنيَ بالهزيمة؛ وأيضاً خلال الأسبوع الماضي استطاع أن يصمد يومين ومن ثمّ هُزم؛ هذا ضعف الكيان الصهيوني، وهو ضعف الكيان الصهيوني المتزايد بشكل يومي» (١٧). نظراً إلى تشكّل جبهة مقاومة كهذه تضمّ مؤمنين متكاتفين نجحوا مرّات عديدة في امتحانهم في سوح الجهاد، وإذا ما استمرّت هذه الحركة فإنّنا سنشهد حتماً وفي الأمد القريب تحقّق الوعد الإلهي بإنزال العذاب بالظالمين على يد المؤمنين (١٨)، استناداً إلى السنّن القرآنية الثلاث التي ذكرناها سابقاً، وقد يكون ذلك في فترة أقلّ بكثير من ٢٥ عاماً.

 

 

 

 

المصادر:

 

١) كلمة الإمام الخامنئي لدى لقائه بمسؤولي نظام الجمهورية الإسلامية ١٢/٧/١٩٩٨

 

٢) سورة آل عمران، الآية ١٤١

 

٣) تفسير النور، محسن قراءتي، ج٢، ص١٦٤

 

٤) الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، ج١٣، ص١٧٤

 

٥) من هدى القرآن، محمد تقي المدرّسي، ٦، ص٢٨٣

 

۶) (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ)

 

٧) الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، ج١٢، ص٣٤ و٣٥

 

٨) تفسير سورة البراءة، آية الله الخامنئي، ص٣٥٣

 

٩) تفسير سورة البراءة، آية الله الخامنئي، ص١٤٢

 

١٠) سورة الإسراء، الآية ٨١

 

١١) من هدى القرآن، محمد تقي المدرّسي، ج٦، ص٢٨٩

 

١٢) سورة الأنفال، الآية ٤٦

 

١٣) سورة البراءة، الآية ٤١

 

١٤) سورة آل عمران، الآية ١٢٥

 

١٥) سورة الأنفال، الآية ٧٢

 

١٦) كلمة الإمام الخامنئي لدى لقائه بحشد كبير من طلاب الجامعات والحوزات العلمية ٢٠/١٢/١٩٨٩

 

١٧) كلمة الإمام الخامنئي لدى لقائه بمسؤولي النظام وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية ٢٥/١٢/٢٠١٨

 

١٨) جزء من الآية ١٤ من سورة البراءة

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم