أخلاقيات البائع والتاجر

الأحد 23 يونيو 2019 - 09:46 بتوقيت غرينتش
أخلاقيات البائع والتاجر

مقالات – الكوثر: في حَلَقاتِنا المتسلسلةِ عن "مفاهيمَ أخلاقيةٍ وقيمٍ مرجعيةٍ" والتي نحاولُ من خلالِها التعريفَ بأهمِّ القيمِ السلوكيةِ لمن هُم في دائرةِ المسؤوليةِ، و ضرورةَ إحياءِ البعدِ الأخلاقيِّ في وظائفِهم وأعمالِهم...، ومنهم الباعةُ، فالبائعُ في موقعِ المسؤوليةِ التي تحتِّمُ عليهِ أنْ يراعِ القيمَ والضوابطَ الأخلاقيةَ.

 

الدوافعُ تجذبُها المصالحُ في البيعِ، وقلّما إنسانٌ يقفُ بقوّةٍ أمامَ المغرياتِ التي يُزيِّنُها الشيطانُ، فالربحُ مطلبٌ لكلِّ بائعٍ، وخشيةُ الخسارةِ أمرٌ يدفعُ بالبعضِ الى تخلّيهِ عن المبادئِ والقيمِ الأخلاقيةِ، بل يلجأُ بعضُهم الى تسويقِ مبيعاتِهِ بأيِّ طريقةٍ تناسبُهُ، حتى وإنْ تضرّرَ المشتري ماديّاً أو معنوياً، عملاً بمنطقِ يجبُ أن أكونَ رابحاً وإنْ خسِرَ الطرفُ الآخرُ!

ومما يُؤسَفُ لَهُ: انتشارُ التعاملِ الأنانيّ لبعضِ البائعينَ والتجّارِ مما جعلَ السوقَ جواً غيرَ آمنٍ في البيعِ والشراءِ وصارَ المتبضعُ يشعرُ بالقلقِ حيالَ ما يودُّ شراءهُ من حيثيةِ الأسعارِ والماركاتِ وسلامةِ المنتجِ من التلاعبِ والغشِّ.

 

ما يجبُ أنْ يتحلّى بهِ البائعُ والتاجرُ من الفضائلِ والصفاتِ الطيّبةِ

 

الصدقُ والأمانةُ:

صفتانِ تشكلانِ حقيقةَ إنسانيةِ التاجرِ والبائعِ، والالتزامُ بهما يُظهِرُ صدقَ الإيمانِ باللهِ تعالى وباليومِ الآخِر، كما وأنَّ سمعةَ التاجرِ تكونُ كالمسكِ في الوسطِ التجاريّ، و يُعدُّ موضعَ ثقةِ الزبائنِ، وردَ عن النبيِّ الأكرمِ -صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ-: "التاجرُ الصدوقُ تحتَ ظلِّ العرشِ يومَ القيامةِ" ورُويَ أيضاً أنَّ "التاجرَ الأمينَ الصدوقَ المسلمَ معَ الشهداءِ يومَ القيامةِ".

 

القناعةُ بالربحِ القليلِ:

ما اتّصفَ أحدٌ بالقناعةِ إلا وشعرَ بالغنى والراحةِ، حتى قيلَ أنَّ القناعةَ كنزٌ لا ينفد، وأنَّ الزهدَ بالربحِ الزائدِ دليلٌ على سموِّ النفسِ وترفُّعِها عن حبِّ المادةِ؛ فإنَّ قليلَ الرزقِ معَ البركةِ خيرٌ من كثيرهِ بدونِها، رُويَ عن الإمامِ عليٍّ (عليهِ السلامُ) أنّهُ كانَ يدورُ في سوقِ الكوفةِ ومن جملةِ ما ينصحُ بهِ التجارَ والباعةَ: "لا تردُّوا قليلَ الربحِ فتُحرَموا كثيرَهُ!"

 

إقالةُ المشتري:

ومعنى الإقالةِ فقهياً (هيَ فسخُ العقدِ من أحدِ المتعاملينَ بعدَ طلبِهِ من الآخَرِ ) فمَن ندِمَ على شراءِ حاجةٍ ما أو بيعِها له أنْ يطلبَ مِن الطرفِ الثاني للعقدِ الإقالةَ و فسخَ العقدِ، كما وإنَّ الإقالةَ في المعاملةِ تعني المسامحةَ و التجاوزَ ...

ولهذا ينبغي للبائعِ والتاجرِ أنْ يكونَ مرِناً وسَمِحاً وليِّناً في أسلوبهِ معَ المشتري عن رسولِ اللهِ (صلّى اللُه عليهِ وآلهِ): "غفرَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- لرجلٍ كانَ من قبلِكُم، كانَ سهلاً إذا باعَ، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا قضى، سهلاً إذا اقتَضى"

فقد يندمُ المشتري على صفقتِهِ ويحاولُ أنْ يُرجِعَ السلعةَ، فلا تترددْ بإقالتهِ؛ فقد وردَ في الأخبارِ عن النبيِّ: "من أقالَ نادِمًا أقالَهُ اللهُ من نارِ جهنَّم" .

ومن المفيدِ جداً لو كانَ متسامِحاً في استبدالِها بغيِر مادةٍ أو بماركةٍ أخرى، فهوَ من أروعِ مواقفِ البِرِّ وصنائعِ المعروفِ، حتى يرضى المشتري ويشعُرَ أنَّ أموالَهُ لم تذهبْ هدراً.

 

صحِّحْ فَهمَكَ عن الربحِ الحقيقيّ:

الربحُ الحقيقيُّ هوَ الالتزامُ بأحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ، فمَن لم يتعلمِ الأحكامَ الفقهيةَ الخاصّةَ بالبيعِ والشراِء سيقعُ في مشاكلِ الربا المحرّمِ والمعاملاتِ الباطلةِ شرعاً، وحينئذٍ لا قيمةَ للربحِ مَهما كَثُرَ؛ لما يترتبُ عليهِ من أثرٍ أخرويٍّ وبلاءٍ دنيويٍّ يدفعُ ضريبتَهُ الإنسانُ في عاجلِ حياتِهِ قبلَ آجلِها، و أفضلُ ربحٍ هوَ إدخالُ السرورِ على الناسِ بالبضائعِ ذاتِ الجودةِ العاليةِ والأسعارِ المناسبةِ، التي تحقّقُ لكَ ربحاً معقولاً، وتناسبُ أكثرَ الزبائنِ وتنالُ بركةَ اللهِ تعالى، عنِ الإمامِ عليٍّ (عليهِ السلامُ) - لرجلٍ يوصيهِ ومعهُ سلعةٌ يبيعُها: سمعتُ رسولَ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ) يقولُ: "السماحُ وجهٌ من الرِباحِ".

 

كُنْ ذا مرؤةٍ:

الالتزامُ بالقيمِ الأخلاقيةِ والتأدّبِ بآدابِ الصالحينَ أثناءَ عمليةِ البيعِ يثيرُ شعوراً جميلاً في النفسِ، فالعملُ قيمتُهُ الاجتماعيةُ أعظمُ من كسبِ المالِ، فاتّساعُ دائرةِ العَلاقاتِ، وكسبُ مودّةِ الأصدقاءِ والإخوانِ هوَ ربحٌ لا يقدّرُ بثمنٍ؛ فمراعاةُ ظروفِ الأصدقاءِ في البيعِ والشراءِ يعدُّ من النُبلِ والمرؤةِ، قالَ رسولُ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): "ليسَ من المروءةِ الربحُ على الإخوانِ".

 

ما يجبُ الابتعادُ عنهُ من الصفاتِ المذمومةِ والسلوكِ المحرّمِ

 

الكذِبُ و المبالغةُ في إبرازِ خصوصياتِ المَبِيعِ أو ذمِّ المُشتَرى:

معلومٌ أنَّ سمعةَ البائعِ في السوقِ هيَ مغناطيسُ جذبِ الزبائنِ، فإذا التصقَ باسمهِ أنَّهُ بائعٌ محتالٌ و كذّابٌ سيفقدُ زبائنَهُ، وبالتالي سيخسرُ في تجارتِهِ، كما أنَّ الكذبَ سيجعلُهُ آثماً ومسؤولاً أمامَ اللهِ تعالى ، وردَ عن النبيِّ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): أنَّ من جُملةِ الثلاثةِ الذينَ لا ينظرُ اللهُ إليهم يومَ القيامةِ ولا يُزكّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ – "المُزَكّي سلعتَهُ بالكذبِ".

 

الغِشُّ أو كتمانُ العَيبِ:

لا يوجُد أحدٌ يتقبّلُ الغشَّ في البَيعِ؛ لما فيهِ من ظُلمٍ وإضرارٍ بالآخرينَ يترتّبُ عليهِ إثمٌ عظيمٌ ، و الغِشُّ سلوكٌ منحرفٌ عن مبادئِ الدينِ والإنسانيةِ، ويكشفُ عن مدى خُبثِ سريرةِ البائعِ، إذ يتعمَّدُ إظهارَ محاسنِ الشيءِ المعروضِ، ويسترُ ما فيهِ من عيوبٍ بالحيَّلِ والمَكرِ ، رُويَ عن النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم - قولُه: ((المسلمُ أخو المسلمِ؛ لا يِحلُّ لمُسلمٍ باعَ من أخيهِ بيعًا فيهِ عيبٌ إلا بيَّنَهُ لهُ))

 

الحِلفُ واليمينُ الكاذبُ:

من أسوأ أساليبِ ترغيبِ المشتري هوَ استغلالُ إيمانِ الناسِ والتلاعبُ بمشاعرِهِم الدينيةِ؛ لتعزيزِ ثقتِهم لدى الزبونِ وتحريكِ رغبتهِ في الشراءِ، من خلالِ الحِلفُ بأسماءِ اللِه الحُسنى، وبأسماءِ الأنبياءِ والأئمةِ الأطهارِ، وهذا إنْ دلَّ على شيءٍ إنّما يدلُّ على الاستهانةِ بأسماءِ اللهِ وأوليائهِ ، وعدمِ احترامِ قدسيةِ الحِلفِ الذي كَرَّهَه الشَرعُ على الصِدقِ ، وحرَّمَهُ على الكَذِبِ ، عن الإمامِ الصادقِ (عليهِ السلامُ): "إنَّ اللهَ -تباركَ وتعالى- ليبغضُ المُنفِقَ سلعتَهُ بالأَيْمَانِ!"

 

التورُّطُ بالربا والمعاملةِ الربويّة:

عن أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السلامُ): أنَّ رجلاً قالَ: يا أميرَ المؤمنينَ إنّي أُريدُ التجارةَ، قالَ: أفقِهتَ في دينِ اللهِ؟ قالَ: يكونُ بعدَ ذلكَ، قالَ: ويحكَ.. الفقهُ ثُمَّ المَتجَر، فإنَّهُ مَن باعَ واشترى ولم يسألْ عن حرامٍ ولا حلالٍ ارتَطَمَ في الربا ثمَّ ارتطمَ . ، فعلى المؤمنِ أْن يتعلّمَ ما يجبُ عليهِ من مسائلِ الحلالِ والحرامِ، ويستوعبَ معنى الربا وأقسامَهُ، ويتخلّصَ من مقدماتِهِ، وإلا فالربا هوَ طريقٌ لحربِ اللهِ ورسولهِ، والمرابي لهُ عذابٌ أليمٌ.

 

السرقةُ من الميزانِ:

قالَ اللهُ تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) التلاعبُ في آلةِ الميزانِ لغرضِ السرقةِ حرامٌ شرعاً، ومِن الأفضلِ أنْ يجعلَ كفّةَ المُباعِ راجحةً ، عن النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): "إذا وزنتُم فأرجِحوا" ، ورُويَ أنَّ أميرَ المؤمنينَ (عليهِ السلامُ) مرَّ على جاريةٍ قد اشترتْ لحماً من قصّابٍ وهيَ تقولُ: زدني، فقالَ لهُ أميرُ المؤمنيَن (عليهِ السلامُ): "زِدها فإنَّهُ أعظمُ للبركةِ".

 

التلاعُبُ بالأسعارِ:

رفعُ سعرِ المَبيعِ أو بيعهِ بقيمةٍ غيرِ منصفةٍ أمرٌ اعتدناهُ، الى درجةِ أنّك تجدُ التفاوتَ بينَ بائعٍ وبائعٍ، وهما في نفسِ السوقِ وكلٌّ يدّعي بما يؤيّدُ ويبررُ رفعَ سعرِ قيمتِهِ، وهذا يجعلُ المتسوّقَ ينالُهُ العناءُ والتعبُ وهوَ يجوبُ السوقَ عن السعرِ المناسبِ لدخلهِ، وهذا ما يجبُ أنْ يُضبطَ تحتَ رَقابةِ الدولةِ ولجانِها في رصدِ المخالفِ للتسعيراتِ المحليّةِ ولكنْ ،،، أ ليسَ الضميرُ خيرَ رقيبٍ!!!

 

حسن عبد الهادي اللامي

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم