ابن الفهد الحلي .. رجل الأدوار المشرقة

السبت 5 أكتوبر 2019 - 07:56 بتوقيت غرينتش
ابن الفهد الحلي .. رجل الأدوار المشرقة

الكوثر - شكّل قدوم هذا العالم الجليل إلى كربلاء نقطة مضيئة في تاريخ المدينة, وأحدث نقلة كبيرة في تاريخ الحركة العلمية فيها, حيث بلغت هذه الحركة أوج نشاطها وازدهارها مما جعل كربلاء في مركز الصدارة العلمية والزعامة الدينية لدى الشيعة.

لقد بذل هذا الشيخ الجليل جهوداً كبيرة في نشر تراث أهل البيت (عليهم السلام), ودحض البدع والضلالات ومحاربتها, فكان الأمين والصلب والشجاع في دفاعه عن الدين والمذهب.

 

الحلة مركز الاشعاع الحضاري

ولد الشيخ جمال الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن فهد الأسدي الحلي عام (756هـ) في الحلة التي كانت حاضرة من حواضر العلم والفقه عند الشيعة, ولم تتحفنا المصادر بشئ عن بداية حياته العلمية فيها سوى ما ذكره السيد محسن الأمين في ترجمته حيث روى عن السيد علي بن عبد الحميد النيلي في إجازته للشيخ ابن فهد قوله: (بأنه ــ أي ابن فهد ــ كان أحد المدرسين في المدرسة الزعنية في الحلة السيفية). (1) وكان ذلك قبل قدومه إلى كربلاء.

ولم تشر المصادر إلى سنة انتقاله إلى كربلاء, لأن أغلب المصادر في هذا الجانب لا تتحدث عن تفاصيل حياة هؤلاء العلماء, بقدر ما ينصب اهتمامها على الجوانب العلمية والفقهية والتأليف والمناظرة وغيرها من الأمور العلمية.

غير أن هناك إشارة في كتاب الأربعين للشهيد الأول محمد بن مكي الذي كان معاصراً للشيخ ابن فهد تدل على أن الشيخ ابن فهد سافر إلى جبل عامل وهذه الإشارة التي وضعها ابن فهد تقول:

)حدثني بهذه الأحاديث الشيخ الفقيه ضياء الدين أبو الحسن علي بن الشيخ الإمام الشهيد ابن عبد الله شمس الدين محمد بن مكي جامع هذه الإحاديث (قدس الله سره), بقرية جزين ــ حرسها الله تعالى من النوائب ــ في 11من شهر محرم الحرام افتتاح سنة 824هـ).

 

ولا يُعرف إن كان سفره إلى جبل عامل كان قبل قدومه من الحلة إلى كربلاء أم بعدها.

 

أساتذته

تتلمذ الشيخ ابن فهد على يد كبار العلماء والفقهاء وروى عنهم أبرزهم:

1 ــ فخر المحققين الفاضل مقداد بن عبد الله السيوري صاحب كنز العرفان.

2 ــ الشيخ علي بن الخازن الفقيه الحائري

3 ــ العلامة السيد مرتضى بهاء الدين علي بن عبد الكريم بن عبد المجيد النسابة الحسيني النجفي.

4 ــ ابن المتوج البحراني

5 ــ علي بن يوسف بن عبد الجليل النيلي

6 ــ جمال الدين ابن الأعرج العميدي

وهؤلاء كانوا من أجلاء تلامذة الشهيد الأول محمد بن مكي.

 

تأسيس حوزة كربلاء

قدم ابن فهد الى كربلاء ليؤسس مرجعية كبيرة ومركزاً علمياً كبيراً بعد أن انحسر دور جبل عامل باستشهاد الشهيد الأول محمد بن مكي, فانتقلت بانتقال ابن فهد المرجعية الدينية والعلمية الشيعية إلى كربلاء.

عُرف ابن فهد بغزارة العلم, والورع, والتقوى, والزهد حتى عدّه البعض من المتصوفين, وفي الحقيقة أن العلماء الأفذاذ أمثال ابن فهد الحلي لم يكونوا متصوّفة بمعنى الاصطلاح الحالي بل كانوا خالصين لله بعيداً عن ملذات الدنيا كما يقول السيد محسن الأمين في بيان رده على هذا القول:

(فالتصوف الذي ينسب إلى هؤلاء الأجلاء مثل ابن فهد, وابن طاووس, والخواجة نصير الدين الطوسي, والشهيد الثاني, والبهائي وغيرهم, ليس إلّا الانقطاع إلى الخالق (جل شأنه), والتخلي عن الخلق والزهد في الدنيا والتفاني في حبه تعالى). (2)

 

رجل المناظرات

حفلت الفترة التي عاشها ابن فهد بالتقلبات السياسية, وظهور التيارات الفكرية والدينية المنحرفة, وظهور البدع والضلالات فعاصر ابن فهد سقوط الدولة الجلائرية فكان من الطبيعي أن يرافق هذا السقوط ظهور الفتن فكان ابن فهد أمام مسؤولية كبيرة في الدفاع عن الإسلام ومذهب أهل البيت (ع), فقد انعكست تلك الأحداث والاضطرابات على الحلة وكربلاء كونهما مدينتين مهمتين من مدن الشيعة.

فبعد سقوط الدولة الجلائرية عام (835هـ) والتي كانت تتخذ من الحلة مقراً لها, وكان يحكمها حتى هذا التاريخ حسين بن علاء الدولة الجلائري وهو آخر حكام هذه الدولة, تولى الميرزا إسـﭘند (أسـﭘان) بن قرا يوسف التركماني العراق عام (836هـ), وهو حاكم سني عسكري فطلب من علماء الشيعة مناظرة علماء السنة, فكان على ابن فهد وهو زعيم المدرسة الشيعية أن يتصدى لهذه المناظرة ورد شبهات الخصوم والتغلب عليهم في بيان حقيقة عقائد الشيعة وأحقيتها, فأظهر في ذلك جدارة أفحمت الخصم مما دعى الحاكم (أسـﭘان) إلى التشيع وإلقاء خطبة الجمعة باسم أمير المؤمنين وأولاده المعصومين (ع) وضرب السكة باسم الإئمة الإثني عشر (عليهم السلام).

كان ذلك عام (836هـ) وقد نقل السيد محسن الأمين تلك الحادثة عن الشيخ عبد النبي الكاظمي نزيل جبل عامل قوله:

(وقد ناظر ـــ أي ابن فهد ــ في زمان ميرزا أسـﭘند التركماني والي العراق جماعة ممن يخالفه في المذهب وأعجزهم فصار ذلك سبباً في تشيع الوالي). (3)

لقد كان ابن فهد مدركاً للمسؤولية التي كانت تقع على عاتقه في مثل هذه المواقف, وكان أميناً على الشرع, مؤمناً بعقيدته, مستعداً للدفاع عنها برباطة جأش, وصلابة إيمان, وكان قوياً في دفاعه وعلى يقين من حجته وبرهانه, بليغاً في بيانه إلى الحد الذي جعل الحاكم السني العسكري أن يستسلم للحجة ويذعن للحق, ليعلن تشيّعه على الناس.

 

ازدهار الحركة العلمية

ازدهرت كربلاء أكثر بعد تلك الحادثة بالحركة العلمية, ونشطت الدروس والحلقات الدينية, وأصبحت قبلة العلماء والطلاب القادمين إليها من سائر البلدان, وتخرج من مدرسة ابن فهد الكثير من العلماء الذين تصدروا الحركة العلمية من بعده والذين كان لهم شأن كبير على الساحة العلمية والفقهية يروون عنه أحاديثه وعلمه وأبرز هؤلاء العلماء:

1 ــ الشيخ عز الدين حسن بن علي بن أحمد بن يوسف الكركي العاملي.

2 ــ الشيخ ظهير الدين بن علي بن زين العابدين بن الحسام العاملي العيناثي.

3 ــ الشيخ زين الدين علي بن هلال الجزائري.

4 ــ الشيخ عبد السميع بن فياض الأسدي الحلي.

5 ــ الشيخ رضي الدين الحسين بن راشد القطيفي.

6 ــ الشيخ زين الدين علي بن محمد بن طي العاملي

7 ــ السيد محمد نور بخش.

8 ــ مفلح بن الحسن الصيمري

9 ــ محمد بن محمد بن الحسن الحولاني

10 ــ الشيخ عز الدين حسن بن علي بن أحمد بن يوسف الشهير بابن العشرة الكوراني العاملي

11 ــ السيّد عبد الملك بن إسحاق القمّي

12 ــ الشيخ حسن بن حسين الجزائري

13 ــ الشيخ أحمد بن محمّد السبعي.

14 ــ الشيخ علي بن فضل الحلّي.

 

مؤلفاته

ومثلما حفلت حياة الشيخ ابن فهد الحلي بالتدريس والمناظرة, فقد حفلت بالتأليف والتصنيف, فقد ألف أكثر من عشرين كتاباً سوى الرسائل التي تشير بعضها إلى أن دور مرجعيته لم يقتصر على كربلاء, بل تعدى إلى العراق والشام والخليج والجزيرة, كما تشير هذه الرسائل إلى أنه كان المرجع الأعلى للشيعة في العالم وقد طبعت له عشر رسائل هي:

 

1 ــ المسائل الشاميات الأولى والثانية: وهي مجموعة مسائل أجاب عنها الشيخ ابن فهد وردت إليه من الشام عن بعض الإستفتاءات الشرعية.

2 ــ المسائل البحرانيات: وهي مثل الأولى وردت إليه من البحرين وهاتان الرسالتان تدلان على ما يتمتع به ابن فهد من سلطة روحية ومكانة دينية وعلمية كبيرة في نفوس الشيعة في جميع البلدان في ذلك الوقت.

3 ــ رسالة وجيزة في واجبات الحج.

4 ــ غاية الإيجاز لخائف الإعواز.

5 ــ كفاية المحتاج إلى مناسك الحاج.

6 ــ اللمعة الجلية في معرفة النية.

7 ــ المحرر في الفتوى.

8 ــ مصباح المبتدي وهداية المقتدي.

9 ــ الموجز الحاوي لتحرير الفتاوي.

 

أما كتبه المطبوعة فهي:

1 ــ عدة الداعي ونجاح الساعي.

2 ــ آداب الدعاء.

3 ــ استخراج الحوادث.

4 ــ أسرار الصلاة.

5 ــ تاريخ الأئمة الاثني عشر.

6 ــ التحرير في الفقه.

7 ــ التحصين في صفات العارفين من العزلة والخمول بالأسانيد المتلقاة عن آل الرسول.

8 ــ ترجمة الصلاة

9 ــ تعيين ساعات الليل وتشخيصها بمنازل القمر

10 ــ مصباح المبتدي وهداية المهتدي

11 ــ المقتصر في شرح إرشاد الأذهان

12 ــ الموجز الهادي

13 ــ المهذب البارع في شرح المتخصر النافع

14 ــ الفصول في دعوات أعقاب الفرائض.

15 ــ المتقتصر من شرح المختصر.

 

ولابن فهد مؤلفات مخطوطة لم تطبع بعد ذكرها العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني (4) وهي:

 

1 ــ الأدعية والختوم.

2 ــ التواريخ الشرعية عن الأئمة المهدية.

3 ــ الخلل في الصلاة.

4 ــ جوابات المسائل الشامية الثانية.

5 ــ تعيين ساعات الليل وتشخيص منازل القمر.

6 ــ شرح الإرشاد.

7 ــ فقه الصلاة.

8 ــ اللوامع.

9 ــ نيات العبادات وصيغ العقود والإيقاعات.

10 ــ الهداية.

11 ــ استخراج الحوادث.

 

ابن فهد في سجل التاريخ

حاز الشيخ ابن فهد الحلي مكانة كبيرة في التاريخ الشيعي لعلمه وزهده وأثنى عليه كل من ترجم له من أعلام الشيعة وهذه بعض الأقوال فيه:

 

1 ــ الزاهد العارف… وكتب الفاضلين الجليلين: العلّامة وابن فهد قدس الله روحهما في الاشتهار والاعتبار كمؤلّفيها. (5)

2 ــ فاضل عالم ثقة صالح زاهد عابد ورع، جليل القدر. (6)

3 ــ الفاضل العالم العلّامة الفهّامة الثقة الجليل الزاهد العابد الورع، العظيم القدر (7)

4ـ فاضل فقيه مجتهد زاهد عابد ورع تقي نقي (8)

5 ــ الشيخ الأفخر الأجلّ الأوحد الأكمل الأسعد، ضياء المسلمين، برهان المؤمنين، قدوة الموحّدين، فارس مضمار المناظرة مع المخالفين والمعاندين، أُسوة العابدين، نادرة العارفين والزاهدين (9)

6 ــ له من الاشتهار بالفضل والاتقان والذوق والعرفان والزهد والأخلاق والخوف والاشفاق، وغير أولئك من جميل السياق ما يكفينا مؤنة التعريف ويغنينا عن مرارة التوصيف وقد جمع بين المعقول والمنقول والفروع والأصول والقشر واللب واللفظ والمعنى والظاهر والباطن والعلم والعمل بأحسن ما كان يجمع ويكمل (10)

 

سيرته ووفاته

ليس بين أيدينا من المصادر ما يتحفنا بمعلومات أكثر عن تقاصيل حياة هذا الشيخ الجليل ولكن القارئ يستشف من خلال كتبه المطبوعة على مدى زهده وورعه وعلمه وصفاته الشخصية وملكاته الذاتية التي اتصف بها علماؤنا الأعلام الكبار أمثال الطوسي والطبرسي والمفيد وأمثالهم (رضوان الله عليهم)

 

يقول في مقدمة كتابه (عدة الداعي ونجاح الساعي) والذي يعد من أهم كتبه:

الحمد لله سامع الدعاء ودافع البلاء ومفيض الضياء وكاشف الظلماء وباسط الرجاء وسابغ النعماء ومجزل العطاء ومردف الآلاء سامك السماء و ماسك البطحاء والصلاة على خاتم الأنبياء وسيد الأصفياء محمد المخصوص بعموم الدعا وخصوص الاصطفاء والحجة على من في الأرض والسماء وعلى آله الفائزين بخلوص الانتماء ووجوب الاقتداء ما أظلت الزرقاء وأقلت الغبراء صلاة باقية إلى يوم البعث والجزاء وبعد فان الله تعالى من وفور كرمه علم الدعا وندب إليه وألهم السؤال وحث عليه ورغب في معاملته والاقدام عليه وجعل في مناجاته سبب النجاة وفى سؤاله مقاليد العطايا ومفاتيح الهبات وجعل لإجابة الدعا أسبابا من خصوصيات الدعوات وأصناف الداعين والحالات والأمكنة والأوقات.

 

فوضعنا هذه الرسالة على ذلك وسميناه عدة الداعي ونجاح الساعي.

بعد حياة ملؤها العلم والعمل توفي الشيخ ابن فهد الحلي في كربلاء عام (841هـ) ودفن في بستان قريب من الروضة الحسينية المقدسة ومزاره شاخص يروي للأجيال دروس العلم والفضيلة.

 

 

....................................................................

 

1 ــ أعيان الشيعة ج 3 ص 147

 

2 ــ نفس المصدر والصفحة

 

3 ــ تكملة الرجال

 

4 ــ الذريعة إلى تصانيف الشيعة

 

5 ــ العلامة المجلسي / بحار الأنوار

 

6 ــ الشيخ الحرّ العاملي / أمل الآمل

 

7 ــ الشيخ عبد الله الإصفهاني / رياض العلماء

 

8 ــ الشيخ يوسف البحراني / لؤلؤة البحرين

 

9 ــ الشيخ أسد الله التستري الكاظمي / مقابس الأنوار

 

10 ــ أحمد الموحدي القمي / مقدمة كتاب عدة الداعي ص 5

 

******

الكاتب: محمد طاهر الصفار

المصدر: موقع العتبة الحسينية المقدسة

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم