عصر بوتين !!

الأربعاء 19 إبريل 2017 - 11:03 بتوقيت طهران
عصر بوتين !!

من المرجح جداً أن كل رؤساء أميركا الأحياء يشعرون بالمرارة الحادة وهم يرون السمعة الأميركية قد تراجعت خلال أشهر قليلة على يد دونالد ترامب. ومن المؤكد أن المرارة يتذوقها بطعم أشد رجال المؤسسات الأميركية الذين حرصوا على إبقاء صورة دولتهم كقوة أعظم في المجتمع الدولي.

كانت الصورة الأميركية ستبقى كما هي، وربما تزداد قوة في عهد ترامب الذي ظهر رئيساً شرساً قاسياً، لو لا أن منافسه العالمي هو فلاديمير بوتين الذي عرف بخبرة رجل المخابرات شخصية الرئيس الأميركي، فتصرف على أساس استدراجه الى النقطة التي يحددها بنفسه، ويخلق له أجواء المواقف التصعيدية، ليحرجه بعد ذلك ويجبره على التراجع. وهذا هو مقياس تقييم القادة العالميين.
...
كان ترامب مكشوفاً بالنسبة لبوتين ـ وغيره من زعماء العالم ـ فقد بدا عليه أنه يميل الى التفرد الدولي والى التقليل من الاعتماد على التحالفات بما في ذلك الأصدقاء التاريخيين لأميركا، كما ظهر ذلك واضحاً في تقليله من شأن حلف الناتو. وكان هذا التوجه يعني بالنسبة لبوتين أنه امام خصم سهل، يعتمد على نفسه بالدرجة الأولى في عالم تسوده العلاقات المتشابكة، ونسج المزيد من العلاقات مع الآخرين لتتحكم في التوازنات الدولية. وعرف بوتين أن ترامب يعمل على طريقة رجل الأعمال الذي يريد المكسب كاملاً له، وليس على طريقة السياسيين الذين يبحثون عن شركاء حتى لو كانوا بلا فائدة لخداعهم بشراكة الانتصار.
إن الأفكار التي كتبها ترامب في مقالاته قبل الرئاسة، ثم طبعها في كتابه (فكر كالأبطال) بقيت هي نفسها التي يريد اعتمادها في إدارة الولايات المتحدة، فنظرته لحياة رجل الأعمال، يريد أن يستنسخها في طريقته لإدارة السياسة الخارجية. وهذه نقطة خلل فادحة ستقوده الى الفشل فيما لو بقي مصراً عليها.
تُعطي طريقة تفكير ترامب أنه يريد أن يكون بطلاً، بينما يفكر قادة العالم الكبار كيف ينتصرون. وبين البطل والمنتصر خيط رفيع في عالم السياسة، فقد يخسر الأول لكنه يفوز بلقب البطل، بينما يربح الثاني ويجني المكاسب من دون الحاجة الى ارتقاء منصة البطولة. فقد كسب جمال عبد الناصر لقب البطولة العربي، لكنه خسر سيناء، وفي مقابله لم يحصل ديغول على لقب البطل لكنه استعاد فرنسا من الاحتلال النازي.
...
يقف العالم اليوم أمام نموذج جديد من رؤساء أميركا، شخص يريد البطولة كعنوان شخصي له، فبدأ بكلمات كبيرة لتضخيم موقعه، لكنها تقلل من قيمة أميركا.
قال ترامب: (سأجعل الولايات المتحدة عظيمة مرة أخرى) وكانت هذه العبارة التي تم تداولها على نطاق واسع بعد فوزه بالانتخابات وقبيل أيام من تسلمه منصبه رسمياً، تؤشر على أن الرجل لا يجيد استخدام العبارات، خلافاً لما هو مألوف عن الزعماء الكبار. وأنه سيطبق أفكاره التي كتبها في كتابه (فكّر كالأبطال).
وعبارة كهذه، تعني لمنافسه العالمي بوتين، أن هذا الأميركي الجديد على البيت الأبيض يعترف له ضمناً بأنه الأقوى وأنه الأول الذي يدير الأزمات في أكثر المناطق سخونة.
كما أدرك بوتين أن هذا الرجل المعجب بمقولات رجال الأعمال عن النجاح في حياتهم المالية، سيدخل الصراع السياسي بعقلية المضارب التجاري ومحترفي المزادات العلنية، وليس بخطط الرجل الذي يفكر بعمق ويُصرح بدقة ويسير نحو هدفه بطرق لا يكتشفها خصومه.

حتى هذه اللحظة، فان الفترة المقبلة من تطورات العالم، تتجه لتكون (عصر بوتين) وسيكون ذلك سهلاً عليه، فيما لو بقي ترامب ملتزماً بعنوان كتابه (فكر كالأبطال).

سليم الحسني

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم