هكذا ازدهرت الأساطير في شعر "بدر شاكر السياب"

الثلاثاء 18 يوليو 2017 - 09:17 بتوقيت غرينتش
هكذا ازدهرت الأساطير في شعر "بدر شاكر السياب"

قد استخدم بعض الشعراء المعاصرين الأساطير عامة و"تموز" الأسطورة البابلية خاصّة في قصائدهم تعبيراً عن الانتعاش والحياة بحيث سمّوا بالشعراء التمّوزيين.

و في صدرهذه القائمة، بدر شاكرالسياب الشاعرالعراقي المعاصر الذي استخدم الأساطيرَ رموزاً في أشعاره بصورة لم يستخدمها شاعرآخر قبله وفضلًا عن ذلك استعان من عبقريته الخاصة في خلق مفاهيم جديدة عند استعمالها. إنّه يشيرُ إليها بعض الأحیان مباشرة.وحيناً آخر يرمز إلي بعض خصائصها كمقدمة للولوج إلي صلب الموضوع، ثم يذكر اسمها بصراحة و وضوح. وأمّا الشيء الذي يجب أن لاننساه أبداً فهو أنّ السياب كان ناشطاً سياسياً يحاول لأجل الثورة وكان قلمه سلاحه فكان يختار أساطير تساعده على بيان أفكاره وآرائه لمواصلة الكفاح السياسي. وأسطورة تموز كانت من الأساطير التي تذكرّه دائماً بالثورة و تطّور الأوضاع السياسية وتوحي إليه الفناء لطلوع أيام بيضاء .


المقدمة

ولد بدرشاكرالسياب قرب البصرة في قرية جيكورسنة 1926م ونشأ يتيماً بسبب وفاة أمه. فكان يبحث في وجوه النساء عن ملامح وجه أمّه. فلم تقع عيناه إلا علي بسمات توحي بالرّياء واللامبالاة والنفور ولم تستطع جدّته لِأبيه تعويض الحرمان الذي كان يعانيه علي الرغم من الحنان والحب اللذين غمرته بهما. من هنا سيبقي بدرشاكرالسياب مشدوداً إلي أمّه بعد ولادته وستظل حية في ذاكرته على الرغم من رحيلها المبكّر.يستفيد السياب من الكلمات التي تعبّر عن أمّه الغائبة.


أما الأساطير التي استخدمها بدر شاكر السياب في شعره هي:


1. أسطورة "عشتار"


عشتار هي إلهة الخصب أو الأمّ الأسطوري وهي عاشقة لتموز، الأسطورة البابلية التي تعتبر رمزاً لإعادة الحياة إلي الأرض. يتحدث الشاعر عن هذه الأسطورة في إحدي قصائده تحت عنوان:" أنشودة المطر" حيث يقول:


"عيناك غابتا نخيل ساعة السَحَر،

أو شُرفتا راح ينأي عنهما القمر.

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء ... كالأقمار في نهَر

يرجّه المجذاف وهناً ساعة السَّحَر

كأنّما تنبض في غوريهما، النّجوم "


لم يذكرالشاعر فيها اسم الإلهة مباشرة ولكن الصفات المذكورة هي الصفات التي تختصّ بهذه الإلهة. في بداية الأمر يبدو أن الشاعر يصف حبيبته وعشيقته عندما يذكرهذه الأوصاف الظاهرية ولكنّه عندما يتقدم في وصفه يفهم القاري بأنه يتحدّث عن أسطورة عشتار في قالب الحبيبة، لأنّ خصائص هذه السيدة الأسطورية إعادة الانتعاش والخصب إلي الأرض ونرى «الانبعاث الأسطوري في القصيدة عندما تبتسم إلهة الخصب.


 حيث يقول: عيناك حين تبسمان تورق الكروم     


كأن هذه الأسطورة هي وطن الشاعر والشاعر يريد إعادة الخصب والحياة إلي وطنه .


2. أسطورة "سربروس"


سربروس هو الأسطورة اليونانية. وهو الكلب الذي يحرس مملكة الموت في الأساطير اليونانية، حيث يقوم عرش"برسفون" آلهة الربيع بعد أن إختطفها إله الموت وقد صَوَّره "دانتي" في "الكوميديا الإلهية"، حارساً ومعذبا للأرواح الخاطئة»   

وأما بدرشاكرالسياب فيشير إلي هذه الأسطورة في قصيدته "سربروس في بابل" ويقول:


لِيعو، سَربروس في الدروب

في بابل الحزينةِ المهدّمه

ويملأ الفضاء زمزمه،

يمزِّقُ الصِغارَ بالنيوب، يقضمُ العظام

ويشرب القلوب


في الحقيقة يشير بدر هنا إلى حاكم العراق. سربروس هو حاكم مدينة الشاعر وبابل هنا رمز للعراق. أسطورة سربروس هو رمز للفقر والفناء والغوغائية التي تنشرالدمار في العراق، بلاد الشاعر،بحيث يشيرإلى الكلب الذي يحرس مملكة الموت، كأن الربيع والحياة مقصوران علي يد هذا الكلب. في هذه القصيدة ينتظرالشاعر المعجزة أو الحركة التي تقوم بنجاة بلاده من الموت والفناء ثم يشير غير مباشرة إلي الأسطورة اليونانية "برسفون" إلهَ الربيع وهي التي تنجي العالم من الموت.


3. أسطورة "السندباد" أو "أو ديسيوس"


أسطورة السندباد هي رمز للذي رحل من دياره ويتمّنى العودة بالانتعاش والحياة والأمل. يستخدم الشاعرهذه الأسطورة في قصيدة تحت عنوان: "مدينة السندباد" ويقول فيها:

جوعان في القبر بلاغذاء

عريان في الثلج بلا رداء

صرختُ في الشتاء

أقضّ يا مَطر

مضاجع العظام والثلوج والهباء

مضاجع الحَجَر،

وأنبتِ البذورَ لتفتّح الزهر

وأحرقِ البيادِرَ العقيمَ بالبروق


كأنّ الشاعر في بداية أمره يقوم بوصف مدينة سندباد التي كانت تعاني من الفقر والمجاعة كما يأمر سندباد بالسفر حتي يحصل على مايتمنّاه بالدخول في الأخطار ويعتقد بأنَّ المفروض على الإنسان أن يرحل الديار وأن يجتاز البحار. ثم يواصل كلامه ويخاطب سندباد ويقول له


يا سند باد أما تعود؟

كاد الشباب يزول، تنطفيء الزنابق في الخدود

فمتي تعود؟

فعلي حسب رأي بدرشاكرالسياب أسطورة سندباد هي رمز للذي رحل من دياره ويتمّني العودة بالانتعاش والحياة والأمل.


4. أسطورة "أورفيوس"


ومن الأسماء الأسطورية التي استخدمها الشاعر في هذه القصيدة هما

"ايكار" و"أورفيوس" وقد ذكرالشاعر في حديثه الأوّل عن شُبّاك وفيقة وهي رفيقته.

 حيث يقول:
ايكار يمسّح بالشمس

ريشاتِ النسرو ينطلق،

إيكار تُلقّفه الأفق

ورماه إلي اللُجج الرمس

وتبدو الصورة بعيدة الصلة بما حولها إلا أن شباك وفيقة هو نفسه ايكار وأنه قد نأي عن الأعين المنتظرة ثم سقط فوارته اللجج أي ضاع من دنياه إلي الأبد وأما أورفيوس فأنه يمثله لأنه شق طريقه بالحنين والغناء وفتح لأنغامه مغالق الفناء. السياب وقف عنددار جده في جيكور فرأي عالم الفناء نفسه مع أنه ظلّ طوال حياته يمنح جيكور الضياء وليكسوها الرواء بشعره.

5. أسطورة "تموز"


إنّ قصيدة "أنشودة المطر" «كانت فاتحة عهد جديد من الاتكاء علي رمز "تموز" أو "أدونيس"، إذ إن القصيدة لا تعدو أن تكون في سياقها ترجمة لتلك الأسطورة دون تصريح برمزالخصب. كان لبدر شاكر نوع من الإحجام عن استعمال هذه الأسطورة ومن خلالها يشير إلي بعض صفات أسطورة "تموز" ويشيرإلي قصة موت "تموز" علي يد الخنزير البرّي حينما يقول في بداية القصيدة:


نابُ الخنزير يشقّ يدي

ويغوص لظاه إلي كبدي
 
ثم يواصل كلامه ويقول:

النَور سيورق والنوُر.

جيكور ستولد من جُرحي،

من غصّة موتي، من ناري،

سيفيض البيدرُ بالقمح


6. المسيح وتموز:

ينظربدر شاكر السياب إلى "المسيح" و"تموز" كأسطورتين مقتولتين تمنحان الوعي والحياة للناس بعد موتهما. كأن المسيح يبدو صورة أخری من تموّز الذي يقتل فيبعث.وقصيدة "المسيح بعدالصلب" هي إحدی قصائده التي تجسّد هذا القبول بالتضحية بل هذا الإيمان بالبعث من خلال التضحية حيث يقول:

متّ كي يؤكلُ الخبزُ باسمي،

لِكي يزرعوني مع الموسم،

كم حياة سأحيا: ففي كلّ حفره

صرتُ مستقبلا، صرتُ بذره،

صرت جيلا من الناس: ففي كل قلب دمي

قطرة منه أو بعض قطره»


7. أدونيس وتموز:

أدونيس أو تموّز عند السياب هو إله الخير ولكنّه عندما أصيب باليأس من الظروف السائدة علي مجتمعه يخاطب أدونيس ويقول:

أهذا أدونيس، هذاالحوّاء؟

وهذا الشحوبُ، وهذا الجفاف؟

أهذا أدونيس؟ أين الضياء؟

وأين القطاف؟»

كأن الخيبة قد سيطرت على الشاعر إلى حدّ لايري الخصب والحياة إلا سراباً. ثم يشير إلى قتل تموّز على يد الخنزير البرّي حيث يقول:


«تموّز يموت علی الأفق

وتغور دماه مع الشفق»

النتيجة:
إنّه كان يعاني من الآلام الروحية بسبب فقدان أمّه لرحليها المبكّر في السادسة من عمره. فقد لجأ إلى نساء كثيرات تعويضاً لهذا الحرمان دونَ أن يفوز في هذا اللجوء. إنه كان متأثراً من الأدباء الغربيين من أمثال شكسبير، مِلتون وت.س.اليوت. وفي هذه المرحلة تعرف أكثر من قبل على مفهومَي "الموت" و"الحياة".


استفاد من الأساطير لبيان أحاسيسه الداخلية ومشاكله الخارجية. ومهما نقرأ قصائد هذا الشاعر المبدع المتجدّد نتعرف عليه أكثرمن قبل و نطّلع علی همومه وآلامه وقلقه وعن كلّ ماجعله أن يكون مختلفًا من الشعراء الآخرين دونَ أن يكون غافلاً عن أحوال مجتمعه قط.

إنّه قال الشعر ليكون قلمه سلاحه طوال حياته.وقد كان بحكم موقعه الزمني، شديدالبحث عن الرمز وكانت حاجته إلی الرمز قوية بسبب نشوئه في أزمات وتقلبّات نفسية وجسمية وبسبب التغييرات العنيفة في المسرح السياسي بالعراق. ولهذا يصلح أن يكون نموذجاً للشاعر الذي يطلب الرمز في قلق من يبحث عن مُهدٍّ لأعصابه..
وفي كيفية استخدامه الأساطيرَ تجدر الإشارة إلي أنه استخدمها بطريقتين

الأولي: الإشارة العابرة أوالإشارة إلي بعض خصائص تلك الأسطورة دون أن يشير إلي الأسطورة نفسها.

الثانية: الإشارة المباشرة إلی الأساطير حيث يذكراسم الأسطورة نفسها كما أسلفناها

 

مقال بقلم: نيكتا حاتمي

المصدر: ديوان العرب

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم