ما ينبغي التنازل عنه في قضية فلسطين!

الثلاثاء 6 فبراير 2018 - 08:55 بتوقيت غرينتش
ما ينبغي التنازل عنه في قضية فلسطين!

الحديث عن فلسطين والقدس حديث ذو شجون، وكلما جد شيئ يتعلق بالقضية الفلسطينية أو القدس والمسجد الأقصى؛ طفت على السطح مقولات عديدة ما زالت العديد من الفئات ترددها، سواء بحسن نية أو بسوء نية...

الحديث عن فلسطين والقدس حديث ذو شجون، وكلما جد شيئ يتعلق بالقضية الفلسطينية أو القدس والمسجد الأقصى؛ طفت على السطح مقولات عديدة ما زالت العديد من الفئات ترددها، سواء بحسن نية أو بسوء نية، والكثير من هذه المقولات هو في نظري مما ينبغي التخلص منه وإلقاؤه عند أقرب حاوية قمامة؛ لأجل فلسطين والقدس والمسجد الأقصى!

خطاب الحق التاريخي

علينا أن ندرك أولا أن حقنا في فلسطين هو حق طبيعي لا يكفله الدين فحسب، بل تكفله حقائق الأشياء، بغض النظر عن أصولنا القومية أو كياناتنا السياسية السابقة. فهناك شعب كان يشكل الغالبية في فلسطين وتم طرده بالقوة وهدم المئات من قراه ومدنه ومنعه من العودة إلى بلاده على مرأى العالم أجمع. هذا هو الثابت في القضية، ولا يوجد أي فكرة أخرى يمكنها أن تغير هذا الحق.

وفي هذا السياق هناك نوعان من الخطاب ينبغي التنازل عنهما، لأنهما في الواقع وبالٌ على القضية ولا ينبعان إلا عن ضياع البوصلة الفكرية لدى من يطرحهما:

الخطاب الأول: خطاب الحديث عن دولة إسمها "فلسطين" قبل عام 1948، والواقع الذي يثبته التاريخ أنه لم يكن هناك دولة إسمها فلسطين، بل تم طرح اسم فلسطين ككيان سياسي مستقل فقط في عهد الانتداب البريطاني، بإعتبارها كيانا انتدابيا اسمه الكامل "فلسطين - أرض إسرائيل" كما جاء في الأوراق الرسمية البريطانية. وكل ما يتم الإستشهاد به كأغطية المجاري في الشوارع التي كُتب عليها إسم فلسطين يعود إلى هذه الفترة. كذلك الأمر مع المؤسسات السيادية والمدنية كالمطارات وغيرها، فهي مؤسسات إحتلالية بريطانية لا تُثبت من قريب أو بعيد وجود كيان مستقل لأهل فلسطين.

وفضلا عن ذلك، فإن خطورة هذا الخطاب تكمن في ربط حقوقنا في فلسطين بوجود كيان سياسي سابق إسمه فلسطين، وهو تقييد للقضية بما لا حاجة إليه، أي أننا نعترف من حيث لا ندري بأن حقنا مرتبط بإثبات وجود كيان سياسي سابق إسمه فلسطين، فإذا أثبت الخصوم عدم وجود هذا الكيان المستقل؛ فحينئذ سيكون ذلك طعنًا بحقنا في فلسطين! مع أن حقنا بفلسطين - كما أسلفت - هو حق طبيعي نابع من وجودنا الفعلي كشعب وكحياة إجتماعية ومدنية وكأراض وممتلكات تعود لنا تم نهبها وتدميرها، سواء كان لنا دولة إسمها فلسطين أم لم يكن. فضلا عن مغالطة خطيرة وهي أن فلسطين لم تكن يومًا كيانًا سياسيا مستقلا، فقد كانت مرتبطة على مدى التاريخ الإسلامي بكيانات إسلامية تعاقبت على حكمها، ولهذا فمن الخطأ التعامل مع قضيتها كقضية منفصلة.

الخطاب الثاني: خطاب الرجوع إلى فترات موغلة في التاريخ، إلى عهد "اليبوسيين" أو "الكنعانيين" الذين بنوا القدس كما تقول بعض الدراسات التاريخية، والحديث بأنهم من العرب. وفضلا عن المغالطات التاريخية الكثيرة التي يسردها أصحاب هذا الخطاب ومساحة عدم اليقين الهائلة في الموضوع، فإن العودة إلى التاريخ الموغل في القدم، وإلى شعوب إنفك تواصلها وإمتدادها الديني والحضاري ليس في صالحنا؛ لأن الخصم سيحدثك أيضًا وبأدلة تاريخية كثيرة عن وجود كيانات سياسية يهودية دامت مئات السنين في هذه البلاد، وهي بالمناسبة أقوى من إنتسابك لهؤلاء اليبوسيين الذين لا تكاد ترتبط بهم في شيئ!

 تكمن الإشكالية في أن معظم سكان هذه البلاد لا يستطيعون إثبات إنتسابهم إلى أولئك اليبوسيين أو الكنعانيين الذين بنوا القدس؛ فبعضهم - كما هو حال أسرتي - قدم أجدادهم مع الفتح الإسلامي من جزيرة العرب. وآخرون تعود جذورهم إلى سكان البلاد الذين كانوا يتحدثون الآرامية، والذين دانوا باليهودية ثم بالمسيحية ثم دخلوا في الإسلام أفواجا! وغيرهم جاؤوا من قوميات غير عربية كالكورد والشركس والأتراك وإستقروا منذ قرن أو قرنين في هذه البلاد.. وغيرهم جاؤوا من مصر والعراق والأردن وغيرها من البلاد العربية منذ قرن أو قرنين أو أكثر.. فأهل هذه البلاد خليطٌ من الشعوب والقوميات، لا يمكن إثبات نسبتهم إلى أولئك الكنعانيين، ولكن المشترك بينهم جميعًا أنهم عاشوا في هذه البلاد بحق طبيعي، ولم يعتدوا على أحد ولم يطردوا سكانها ولم يسرقوا ولم يدمروا البلاد ولم يروعوا الآمنين!

ولقد بلغت سذاجة هذا الخطاب أن يتحدث بعضهم عن حكم داود وسليمان للقدس لسبعين عامًا فقط، مما يدل - عنده - على أن اليهود لم يمكثوا إلا هذه المدة القصيرة في حكم القدس، ومن ثم فليس لهم حق فيها! وتكمن سذاجة هذا الخطاب - فضلا عن المغالطات التاريخية في مدة مكوث اليهود هنا - أنه يتعامل مع حكم أنبياء الله داود وسليمان عليهما السلام كما لو كانوا من ضمن سلسلة المحتلين الذين تعاقبوا على حكم فلسطين من دوننا! مع أن حكم داود وسليمان هو حكم إسلامي ينتمي لنا بالدرجة الأولى، ونحن أحق بهما من أي أمة أخرى، ألم يسمى الله عز وجل أنبياءه بالمسلمين في كتابه؟! إنه إذا كان هناك درس مستفاد من إستعراض سلسلة المحتلين/ الفاتحين لفلسطين والقدس، فهو درس: أن الحكم للأقوى؛ فالحكم ممارسة سيادية لا تؤخذ بإثبات الحق مهما كانت حجتنا قوية.

وإن من أهم ما يغفله أصحاب هذا الخطاب أننا أمة ذات تواصل حضاري منذ أن نشأت الأمة الإسلامية والحضارة الإسلامية في القرن الأول الهجري، أي أنه منذ فتح فلسطين والقدس في عهد عمر بن الخطاب وحتى يومنا هذا لم ينقطع وجودنا الحضاري والإجتماعي واللغوي من فلسطين، فما زال المسلمون والعرب يعيشون في فلسطين، حتى عندما إحتلها الصليبيون لنحو قرن، بقي أهل هذه البلاد يقيمون فيها، وظل الصراع عليها محتدمًا إلى أن حررها المسلمون. وبقيت الحضارة الإسلامية العربية هي الإطار الواسع الذي يصوغ الحياة على مدى أربعة عشر قرنًا في هذه البلاد، ورغم إحتلال فلسطين عام 1948 فما زال هناك نحو 7 ملايين عربي يعيشون الآن في فلسطين ويشكلون الغالبية من سكانها. هذا الإمتداد الثقافي والحضاري والديني واللغوي المتواصل هو الأساس الراسخ لحقنا التاريخي، وهو ما لا يمتلكه أي مدع لحق في هذه البلاد.

خطاب الإحتجاج أمام المحتل

والخطاب الثاني الذي ينبغي التنازل عنه هو خطاب الإحتجاج أمام المحتل، فنحن نوجه خطابنا في إحتجاجنا إلى أمريكا والأمم المتحدة وغيرها من الدول الكبرى التي لا تكاد تتفق على شيئ مثل إتفاقها على ضرورة تعزيز إسرائيل ومدها بالسلاح والحفاظ عليها شوكة في قلب العالم العربي والإسلامي!

إنه من السذاجة أن نعتبر ما يجري في أروقة الأمم المتحدة وخطاب المؤسسات الدولية "نضالا" من أجل فلسطين، فأنت تخاطب من يريد النكاية بك وإبقاءك صفرًا وتريد منه أن يمنحك الحق والسيادة! ولو أن رجلا إستولى على منزلك وزور أوراقا واستجلب أثاثًا من أحد السماسرة الكبار، فهل تذهب إلى ذلك السمسار حين يصدر شهادة إضافية لصالح هذا السارق فتحتج إليه وتطالبه بعدم إصدار تلك الشهادة، أو تطالبه بعدم دعم صديقه وله مصلحة في استيلائه على منزلك؟!

إن الخطاب الوحيد الناجع هو خطاب هذه الأمة، ليست التي تعيش في فلسطين فحسب، بل الأمة العربية والإسلامية بإمتدادها، خطاب بناء الوعي الفكري والسياسي وغرس المفاهيم الصحيحة حول الدين وفلسطين والعالم كيف يسير. وكذلك الأمر بخصوص ما يسمى بـ "حل الدولتين" في إطار المؤسسات الدولية؛ فلا يوجد أفق لحل القضية الفلسطينية في إطار المجتمع الدولي وتسوياته، بل لا وجود منفصلًا للقضية الفلسطينية أساسا؛ فهي عرَض لمرض أكبر وهو عدم وجود قوة وتمكين للأمة العربية الإسلامية وتفكك قوتها السياسية والحضارية.

إن عباس وعريقات لا يملكان حلا، وهما مجرد ممثلين يُكملان مشهد إغتصاب فلسطين. أردوغان أيضًا لا يملك حلا، وكذلك منتقدوه من الغلاة المنتظرين لإعلان الخلافة كطريقة للخلاص لا يملكون حلا. علينا أن نعترف بأن فكرة إعلان دولة فلسطين المستقلة على الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشرقية هو حلم ساذج لن يتحقق يومًا؛ لأنه فاقد لجميع مقومات تحقيقه! وطالما أنه لا توجد لهذه الأمة قوة كبرى بحجم الدول الكبرى تحفظ لها كرامتها وتردع أي عدوان عليها، فلا حل لقضية فلسطين.

مناقشة ببغاوات الاستشراق وعرابي الخيانة

وأخيرًا، مما ينبغي التنازل عنه أيضًا فيما يتعلق بقضية القدس والأقصى وفلسطين هو مناقشة أولئك السفهاء الذين إكتشفوا من خلال قراءة بعض تخرصات المستشرقين أنه لا يوجد شيئ إسمه المسجد الأقصى، وأن القدس ليست مقدسة للمسلمين، وأن المسجد الأقصى في الجعرانة.. إلى آخر هذا الهراء الذي سرقه هؤلاء من المستشرقين وأعادوا تكراره كالببغاوات على أسماع المسلمين!

إن محاورة أمثال هؤلاء بالتوغل في الروايات التاريخية والحديثية خطأ كبير؛ فوجود المسجد الأقصى في القدس أو بيت المقدس التي تقع في وسط فلسطين من ثوابت الدين الأساسية التي لا جدال حولها والتي إنعقد عليها الإجماع، والتي هي ثابتة بالتواصل التاريخي منذ عهد النبي صلى الله عليه[وآله] وسلم حتى عهدنا هذا. أي أنها مسألة إنعقدت قلوب المسلمين على الإيمان بها وهي من صلب دينهم، ولا مجال لأحد أن يشكك بها، ورغم وجود عشرات الروايات الحديثية الصحيحة التي تثبت هذا الحق بعد آيات الله في كتابه، مع عشرات الأدلة والشواهد التاريخية؛ فإن مجرد البدء في إستحضارها للرد على هذه الشبهات السخيفة يعطي كلام هؤلاء السفهاء السخيف مشروعية الحجة.

 إن وجود المسجد الأقصى في القدس بفلسطين نابع من كونه عقيدة ثابتة إنعقد عليها إجماع المسلمين، ونابع من وجوده الحقيقي المادي المتواصل تاريخيا منذ أن فتح المسلمون بيت المقدس وأعادوا تنظيف المكان وبنائه على عهد عمر بن الخطاب. والمسجد الأقصى هو كل ما دار حوله السورُ والبواباتُ من ساحات وقباب ومرافق، بما في ذلك المسجد القبلي ومسجد قبة الصخرة والمسجد المرواني والأقصى القديم. كل هذه هي من ضمن "المسجد الأقصى". هذه الحقيقة من البداهة والوضوح إلى درجة أن يقر بها الاحتلال الصهيوني بحكم الأمر الواقع وينصب حراسه على البوابات الخارجية. من البداهة بحيث يصرخ بها معمار المسجد ومآذنه المنصوبة على الأبنية الموازية للبوابات الخارجية لا على المصليات الداخلية كالمسجد القبلي أو مسجد قبة الصخرة. من البداهة بحيث غدت عقيدة لا جدال حولها.

إن المسجد الأقصى، بمساحته التي نحتها التاريخ ورسخها في ضمير الأمة وفي جغرافية فلسطين، هو الثابت الذي تبقى بكامل أصالته. وهو الثابت الذي لم تؤثر به أيديولوجيات العصر ولا أحداث التاريخ المعاصر. وهو الثابت المرتبط بالله، لا بشيء من العصبيات والمصالح والاعتبارات السياسية. وهو الثابت الذي لا يمكن لأحد أن يتصور التنازل عنه أو تغير طبيعته.

الأقصى محور هذه القضية لا باعتباره المادي كمساحات وحجارة وأبنية، وإنما باعتباره المعنوي الأصيل كحافظ للقيم الثابتة في هذه القضية، وكشُعلة تعيد إلى الأذهان حقيقتها من جديد وتشحذ الهمم كلما فترت. ومن كتاب الله تنبعث تلك الأصالة: {سُبحَانَ الذِي أَسرَى بِعَبدِهِ لَيلًا منَ المَسجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسجِدِ الأَقصَى الذِي بَارَكنَا حَولَهُ لِنُرِيَهُ مِن آيَاتِنَا إِنهُ هُوَ السمِيعُ البَصِيرُ}(الإسراء: 1).

شريف محمد جابر/كاتب و مترجم فلسطيني

المصدر: موقع الجزيرة

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم