أجوبة آل كاشف الغطاء النجفية... في الرد على الفتاوى الوهابية

الأحد 6 مايو 2018 - 07:09 بتوقيت غرينتش
أجوبة آل كاشف الغطاء النجفية... في الرد على الفتاوى الوهابية

إن الهـدم والتدمير لا يزال مستمراً، فقد أفنى الوهـابيون آثـار النـبي(ص) والصـحابة والأئمـة في المدينة‌ المـنورة‌ ومـكة، حتى كاد - كما يقول يوسف بن السيد هاشم الرفاعي وهو من أهل السنة في الكويت - لا يـبقي مـنها إلا المـسجد النبوي الشريف وحده...

هذه المقالة التي بين يديك سيدي القارئ هي في الواقع قراءة في كتاب مهم جدا ألا و هو "الأجوبة النجفية في الرد على الفتاوى الوهابية" لآية الله الشيخ هادي آل كاشف الغطاءالنجفي الذي أخذ على عاتقه مواجهة التضليل الوهـَّابي .

 الردود على الوهابية:

جاءت الردود على الوهابية متنوعة، ولم تقتصر عـلى عـلماء المذهب الحنبلي‌ (الذي‌ يقلده الشيخ ابن عبد الوهاب‌) ومقلدي‌ المذاهب السنية‌ الأخـرى‌: المـالكية‌ والشافعية والأحناف، بل تصدى للرد علي‌ الوهابية‌ كـذلك عـدد مـن علماء الشيعة الإمامية، وقد اتفقت كلمة الجـميع عـلى تبرئة‌ المسلمين‌، سُنة وشيعة وصوفية، من تهمة الشرك‌، وعلى أن ما يقوم‌ به‌ العـلماء والعـوام من بناء القبور‌ والأضرحة‌ وزيـارتها والتـوسل بأصحابها، كـل ذلك، له أصـل فـي الإسلام، ولا يخالف عقيدة التوحيد‌، بل‌ هـو مـظهر من مظاهر الإيمان‌ بالله‌ ورسله‌ واليوم الآخر، وتعظيم‌ لشعائر‌ الإسلام، وقد فـعله المـسلمون‌ بمرأى ومسمع من الصحابة والتابعين وأئمـة الدين وعلماء السلف، ولم يـُنكر عـليهم أحد، ولم يدَّع‌ أحد‌ من السـلف أن هـذه الأفعال والأعمال‌ من‌ قبيل الشرك‌، ولا‌ طالبوا‌ بهدم قبر أو قبة‌ مبنية على قبر إمـام أو صـحابي أو شهيد، بل أُثر عنهم احـترامها وتـوقيرها واسـتحباب أهل‌ بيته‌(عـليهم السـلام) وصحابته، وليس أدل على‌ صـحة‌ ذلكـ‌ ومشروعيته‌ وعدم‌ مخالفته لعقيدة التوحيد‌، من‌ بقائها قائمة شاهدة، إلى أن أدركتها معاول الجهل والجفاء النـجدي الوهـابي، فهدمتها وخرَّبت معالمها وجعلتها أثراً‌ بـعد‌ عـين‌.

هذا بـالإضافة إلى أن آراء الشـيخ ابـن‌ عبد‌ الوهاب‌ مخالفة‌ لمـا‌ هو‌ عليه جمهور الحنابلة، وليست سوى صدى لما كتبه شيخه ابن تيمية الحراني أواخر القـرن السـابع الهجري، وقد ردَّ عليه مُعاصروه من فـقهاء المـذاهب السـنية ومـن جـاء بعدهم‌، ونسبوه إلى الابـتداع ومـخالفة الإجماع وعقيدة السلف الصالح، بل اتهموه بالزندقة لنهيه عن زيارة قبر الرسول وقوله إن النبي لا يستغاث بـه، والنـفاق لدفـاعه عن بني أمية وطعنه في الإمام‌ عـلي(ع)‌ وعـدد مـن الصـحابة. وقـد كـفَّره عدد من علماء السُنّة لذلك ولكونه أحدث في أصول العقائد وقال بالجسمية والتركيب وجواز حلول الحوادث في الذات الإلهية - تعالى الله سبحانه عما يقول‌ الجاهلون‌ - لذلك فقد نودي في دمشق: مـن كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه. ( ولمعرفة آراء علماء أهل السنة في ابن تيمية، يراجع‌ كتاب‌: السلفية بين أهل السنة والإمامية‌، للسيد‌ محمد الكثيري، بيروت، الغدير، ط1، 1997م. ص. 235 وما بعدها).

هـذا مـا جعل هذه الرُّدود تتجاوز ما كتبه ابن عبد الوهاب وفتاوى أتباعه لترد على أستاذه‌ ابن‌ تيمية، لأنه لم يكن‌ سوي‌ ناقلٍ ومقلِّد له ولتلميذه ابن قيم الجوزية.

من بين الردود الشيعية الإمامية، مـا كـتبه سماحة آية الله العظمي هادي كاشف الغطاء (قدس سره) (1290 هـ - 1361م.) وهو من الأسر العلمية‌ النجفية‌ المعروفة والمشهورة. والتي أخذت على عاتقها مواجهة التضليل الوهـَّابي.

وقد جاء الكتاب(الأجـوبة النجفية في الرِّد على الفتاوي الوهابية. بيروت‌ / لبنان‌: الغدير للدراسات والنشر) عبارة عن‌ ردود على بعض الاستفتاءات المـنشورة لعـلماء الوهابية، تـناول فيها المسائل المختلف فيها بين‌ الوهابية وباقي المسلمين، وهي‌ أربع‌ إجابات: تحدث في الإجابة الأولي عن مسائل التـوحيد وما يتفرع عنها، وعلى وجه الخصوص المسائل التي يكفِّر بسببها الوهـابية أهـل السـنة والشيعة الإمامية والصوفية، مثل بناء القبو وزيارتها والصلاة والدعاء عندها‌. والتوسل بأصحابها، والموارد التي لا يجوز فيها تـكفير ‌ ‌المـسلمين، وما المقصود بالفرقة الناجية.

الإجابة الثانية، طالب فيها المؤلف علماء الوهابية بتقديم الأدلة الشـرعية عـلى صـحة ما ينفردون به من آراء في‌ التوحيد‌ ومسائل الاجتهاد والتقليد، والبدعة وغيرها من القضايا المختلف فـيها. أما في الإجابتين الثالثة والرابعة، فناقش المؤلف مجموعة من المسائل والقضايا التي كـانت مثار جدل آنذاك مـثل مـوقف الوهابيين من بعض‌ المخترعات‌ التي وقفوا منها مواقف غريبة كالبرق والتلغراف، ومسألة القوانين والأنظمة، وموقفهم من الشيعة في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية، ومحاولة إكراههم على اعتناق المذهب الحنبلي الوهابي.

فـي ما يأتي‌ مراجعة‌ سريعة - لا تغني عن قراءة الكتاب - لأهم ما جاء فيه من مناقشات لقضايا لا تزال إلى يومنا هذا مثار جدل وخلاف مستمر بين الوهابية (السلفية) ومخالفيها من أهل السنة‌ والشيعة‌ الإمـامية‌ وأهـل العرفان وأتباع الطرق الصوفية‌.

هل‌ البناء‌ على القبور وزيارتها والتوسل بأصحابها شرك؟

لا يرتاب مسلم في أن التوحيد هو أساس دين الإسلام وعماده، ولكن الكلام - يقول المؤلف -: في‌ معرفة‌ حقيقة‌ التوحيد الذي أمر بـه الله تـعالى وجعل اعتقاده‌ محتماً‌ ومعتقده مسلماً، وفي معرفة ما ينفيه أو ينافيه من الأقوال والأعمال، وفي معرفة العقائد التي توجب البقاء علي الشرك‌ أو‌ الدخول‌ فيه، والمعتمد في كشف الحقيقة هو الرجـوع إلي الكـتاب والسنة‌ وأخبار أهل البيت العصمة (ص. 24).

وقد أفتى الوهابية بحرمة البناء على القبور وزيارتها والتمسح بها والصلاة عندها، وكذلك‌ التوسل‌ بالأنبياء‌ والأئمة والصحابة والشهداء، ظناً منهم أن ذلك ينافي عقيدة التوحيد، وهـو‌ مـوجب‌ للشـرك بالله؟!

وهذه الأفعال كلها، في نـظر عـلماء أهـل السنة والشيعة الإمامية، جائزة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل‌ والقياس‌ والاستحسان‌، بل إنها من مسلَّمات عقائد المذاهب الإسلامية الأصولية، باستثناء من شـذ مـن‌ الحـنابلة‌ مثل‌ ابن تيمية وتلامذته، وقد تعرض علماء المـذاهب للأحـاديث والروايات التي يستند إليها هؤلاء الشرذمة‌ المخالفون‌ بالشرح‌ والتحليل، وقدموا فهماً وشرحاً يختلفان كثيراً عما فهمه منها ابن تـيمية وأتـباعه مـن الوهابية‌، مؤكدين‌ على ضرورة فهم تلك الأحاديث في إطار سـياقها التاريخي عند بداية الدعوة الإسلامية‌، فالأمر‌ بالهدم‌ مثلاً كان المقصود به قبور المشركين التي كان بعض منها يـُعبد أو تـُقام عـليه‌ أو‌ بجانبه بعض الشعائر الشركية، ومنها من كان قد نُصب عليه بـعض الأصـنام من‌ الحجارة‌، فتحولت‌ إلى آلهة تُعبد من دون الله، لذلك طلب رسول الإسلام بهدمها وانهالت الشواهد والعلامات القائمة‌ عليها‌، أمـا قـبور المـسلمين، فليس هناك أي دليل علي وجوب هدمها، بل تواترت‌ الأخبار‌ على‌ زيارة الرسـول وأمـهات المـؤمنين والصحابة والأئمة قبور الشهداء والموتى في أحد والبقيع، وكانوا يترحمَّون على‌ أصحابها‌ ويقرأون‌ عـندها القـرآن ويـهدون ثوابه إلى أهل القبور، وكانوا يعرفون كل قبر وصاحبه‌، وهذا‌ يعني أن القبور كان لها شـواهد وعـلامات، وهي واضحة للعيان، ولم يخطر ببال أحدهم أن فعلهم‌ هذا‌ محرم أو منهي عنه، ناهيك عـن أن يـكون طـريقاً للشرك بالله سبحانه‌ وتعالي‌!

وقد ظهر ذلك جلياً في إجماع المسلمين‌، صحابة‌ وتابعين‌، علماء ومـقلدين، وإلى يـوم الناس هذا، كما‌ هو‌ مشاهد للعيان وثابت للوجدان، فقبل فتنة الوهابية وسيطرتهم عـلى الحـجاز والأمـاكن المقدسة، كان‌ أغلب‌ قبور الأئمة والصحابة والعلماء مبني‌ وعليها‌ أضرحة وقباب‌، يزورها‌ المسلمون‌ من كـل بـقاع العالم، والآن أغلب‌ المناطق‌ الإسلامية في مصر والعراق وبلاد الشام والمغرب وتركيا وإيـران وبـلاد الهـند، تبني‌ فيها‌ القبور والأضرحة والمراقد، أو تُبنى بجانبها‌ مساجد أو زوايا تقام‌ فيها‌ الصلاة ويقرأ فيها القـرآن، ولمـ‌ يـقل‌ أحد: إن ذلك شك أو كفر، وكيف يكون ذلك كفراً وأنت لو سألت‌ أي‌ شخص من عـوام المـسلمين من‌ زوار‌ تلك‌ المراقد، فسيقول لك‌: هذا‌ قبر فلان، الإمام أو‌ الصحابي‌ أو العالم، وأنه يزوره ليترحم عليه ويـدعو له أو عـنده، ولن تجد من يدَّعي‌ أنه‌ إله أو شريك لله في صفة‌ من‌ صفاته، أو‌ أنه‌ يعبدُه‌ ليـقربه إلى الله زلفـي‌. وبجانب هذه المقامات تقام الصلوات الشرعية، ويـرفع الأذان بـالتوحيد، فـكيف يكفر أو يشرك بالله من‌ يوحِّده‌ ويتلو كـتابه آنـاء الليل والنهار.

إن‌ الفهم‌ الوهابي‌ (السَّلفي‌) للتوحيد‌، هو فهم ساذج‌ بسيط‌، ففي الوقـت الذي يـستدل الوهابيون فيه بأحاديث يدعون صـحتها ويـوهم ظاهرها بـموافقة فـتاويهم، فـإنهم يغضون الطرف‌ عن‌ عشرات‌ الأحاديث الأخـري والأخـبار والآثار وأقوال الأئمة التي‌ تخالف‌ آراءهم‌ واختياراتهم‌، والبحث‌ العلمي‌ الموضوعي والاجتهاد الشـرعي الصـحيح، كل ذلك يقتضي عرض جميع الأدلة ومناقشتها وتـحليلها، ثم الركون بعد ذلك إلي أحـسن القـول. وقد تبين للمحققين، من أهـل السـنة والشيعة الإمامية‌، أن ادعاء الوهابية الإجماع علي تحريم البناء علي القبور - مثلاً - هو كـذب مـحض، وعلى خلاف ادعائهم فالإجماع مـنعقد عـلى الجـواز وليس على المـنع، ولن يـظهر هذا الإجماع من شـذ عـنه‌ مثل‌ ابن تيمية وتلامذته وأتباعه.

وقد أشار المؤلف إلى مسألة مهمة جداً في هذا السـياق، وهـي أن اجتهاد كل مذهب هو حجة عـلى أصـحابه ومقلديه، لذلك فـجملة مـن الأدلة التـي‌ يستند‌ إليها الوهابية لا تـنهض حجة علي الإمامية أو غيرهم من المذاهب الأخري، وأشار مثلاً إلي عدم حجية أخبار الآحاد إلا إذا جمعت شـرائط‌ خـاصة‌، وكذلك لا حجية للإجماع إلاَّ‌ إذا‌ كان كاشفاً عـن رأي الرسـول أو الإمـام المـعصوم.

وهـذه القاعدة - أي حجِّية الاجـتهاد لدى أصـحابه - من القواعد المعترف بها لدى جميع المذاهب، وإلا أنكرنا‌ الاجتهاد‌ في جميع الأبواب، فالحديث‌ قد‌ يثبت عند مـالك ولا يـثبت عـند أبي حنيفة أو الشافعي، فيختلف الاجتهاد والاستنباط، ولم يـكفِ المـالكية الأحـناف لأنـهم لم يـعملوا بـالحديث الذي صحَّحه إمامهم وعمل به. وفي المذهب الحنبلي هناك‌ عشرات‌ المسائل يروي فيها عن ابن حنبل روايتين أو ثلاثة، فأيهما رأي المذهب؟ وهل من أفتي بمضمون رواية منهما وخالف غيره يـكون كافراً؟ إضافة إلي الاختلاف في فهم الحديث وفقهه، فعلماء أهل السنة‌ والإمامية‌ فهموا من‌ النهي الوارد في بعض الأحاديث والروايات، الكراهة وليس التحريم، ناهيك عن القول بالكفر أو الشرك. كما خصَّ‌ الإمامية كراهة البـناء فـي غير قبور الأنبياء والأولياء والعلماء (ص. 28). أما‌ بخصوص‌ هدم‌ ما بُني من القبور أو هدم القباب المبنية عليها والأضرحة، فقد أكد المؤلف عدم مشروعيته فضلاً عن ‌‌وجوبه‌، وجهة هدمها كحرمة نـبشها لمـا روي عن الرسول: “حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً‌". ولم‌ ينقل‌ لنا في عصر من العصور السالفة صدوره من ولاة أمور المسلمين، ولو كان الهدم من‌ الواجـبات التـعبدية لشاع وذاع وسُطِّر ونُشر قبل زمـن هـؤلاء الذين لن يرون لمؤمن‌ ميت حرمة ولا يبالون‌ بهتكه‌ وتحقيره وإهانته (ص. 42).

والسؤال الكبير الذي طرحه المسلمون ولا يزالون هو: لماذا يصّر الوهابيون علي محو آثار المسلمين ومعالم تاريخهم؟ فعندما تـدخل مـقبرة البقيع بالمدينة المنورة، اليـوم، تـسأل: لمن هذه القبور التي‌ لم يبق منها إلا بعض الأحجار الناتئة هنا وهناك؟ فيجيبك أحد زبانية المقبرة بخشونة وغلظة: “لا أحد يعرف”. ونحن نسأل: ما يضر الوهابية لو عرف الحجاج والزوار أن هذا القبر هو للصحابي‌ فـلان‌ أو لأحـد الأئمة أو العلماء؟!

ما يضرهم لو رُقِّمت تلك القبور وبُنيت وعُرف أصحابها؟! أليس في ذلك أبلغ العبرة للمسلمين اليوم، عندما يقفون أما قبر إمام أو صحابي قرأوا عنه وعلموا فضله‌ وجهاده‌ في سبيل الإسلام؟! لم كل هذا العـداء للقـبور وللآثار الإسـلامية، وها هي المقابر والأضرحة منتشرة في طول العالم الإسلامي وعرضه، ولم نسمع أن أحداً من المسلمين قد اتخذها قـبلة أو‌ جعل‌ أصحابها آلهة يعبدهم من دون الله؟! نعم هناك بعض الأفعال والأقوال تـثير بـعض الإشـكالات، وقد تكون مطية أو مدخلاً للشرك، مثل الصيغ غير الشرعية للنذر والتوسل والأدعية، والذين يخطئون فيها‌ هم‌ عـادة‌ ‌ ‌مـن العوام الذين لا يعلمون‌ الصيغ‌ الشرعية‌ للنذر والتوسل، ويقومون بذلك بقلب سليم من الشـرك، والواجـب تـعليمهم وإرشادهم وليس رميهم بالشرك أو تكفيرهم أو قتلهم!!

ومن المسائل التي‌ ناقشها‌ المؤلف‌ كذلك، مسألة الصلاة عـند القبور، وقد خلُص إلى‌ أن‌ الصلاة إلي القبور أو بينها، وإن قلنا: إنها محرمة وباطلة، لا تـوجب إلا الإثم والفساد، ولا توجب كـفر فـاعلها‌ ولا‌ تستلزم‌ شركه، فلو صلَّي بحضرة قبر أو قبور، لم يفعل ما‌ يخرج به عن الإسلام والتوحيد، ولم يصدر منه ما يوجب إباحة دمه وعرضه (ص/ 49). نعم، كره بعض العلماء‌ أن‌ يستقبل‌ المصلي القبر في صـلاته، لكن لو صلَّى وعن يمينه أو شماله‌ قبر‌، فلا يستلزم كون القبر مسجداً، حتى لو كان في قبلة المصلي، لأن المنهي عنه، جعله قبلة‌ يسجد‌ إليه‌... (ص. 63).

كذلك أفتى الوهابيون بحرمة مسح الضرائح الشريفة، وخصوصاً حـجرة النـبي الأكرم، أو‌ الطواف‌ بها وتقبيلها والتمسُّح بها، وقد ردَّ المؤلف على هذا التحريم مؤكداً أن مقتضي الأصل‌ في‌ الجميع‌ هو الحل والإباحة حتي يقوم الدليل على المنع والتحريم، ولا دليل للمانعين هنا - حسب‌ المـؤلف‌ - إلاَّ خـيالات باطلة وأوهام عاطلة ووساوس شيطانية وتسويلات إبليسية يلهمها بسطاء الأمة وسذج‌ الرعاع‌ ليغويهم‌ بها فيحرمهم من البركات والخيرات ونيل القربان(ص/ 81). وقد ثبت أن فاطمة(ع) جاءت إلى‌ قبر‌ أبيها، فأخذت قـبضة مـن التراب فوضعته على عينيها وبكت. وروى ابن عساكر أن‌ بلال‌ جاء‌ قبر النبي فجعل يبكي ويمرغ وجهه على القبر، كان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر‌ عليه‌ منهم أحد، وقد كـان جـُلّ الصـحابة وأئمة المذاهب يتمسحون بمنبره الشـريف تـبركاً‌ ويـقبِّلونه‌، وما‌ ذاك إلا لأنه محل جلوسه وموضع حلوله، والضريح المقدَّس الذي ضمَّ بدنه الشريف وصار مستقر‌ روحانيته‌ ومهبط‌ جسده القدسي أولى بذلك وأجدر (ص. 83).

والتمسح والتـقبيل هـو مـن مظاهر الحب‌ والإجلال‌ لصاحب القبر، لقربه من الله سـبحانه وتـعالى، ولا علاقة له بالشرك أو الكفر، بل هو مظهر‌ من‌ مظاهر الإيمان. كذلك الأمر النسبة للذبائح التي يذبحها المسلمون عند الضرائح والمـقامات‌، فـالموجب‌ للشـُّرك هو الذبح لغير الله ذبح عبادة‌ وتقرُّب‌، كما‌ كان يذبح أهـل الأوثان لأوثانهم مع

الإهلال‌ ورفع‌ الصوت باسم ذلك المذبوح له، بأن يقول: اذبح باسم الولي فلان، مثلاً، سواء‌ كان‌ ذلك باعتقاد إلهـيته واسـتحقاقه للعـبادة‌ أو‌ لأنه يقربه‌ زلفي‌ عند‌ الله.

أما الذبح للصدقة أو الفداء‌ أو‌ لليمين والتبرُّك ودفـع الشـر، مع مشروعية ذلك وذكر اسم الله عليه، فلا‌ عبادة‌ فيه أصلاً للمتصدق عنه، ولا للمفدى‌ به ولا محذور فيه‌، إلا‌ أن يـكون مـما أبـطله الشارع‌ كما‌ في حديث "نهي عن ذبائح الجن" كانوا إذا اشتروا داراً أو بنوا بـنياناً‌ ذبـحوا‌ ذبـيحة مخافة أن تصيبهم الجن‌، فأبطله‌ النبي‌. فإذا ثبت ذلك‌ كان‌ فعله محرماً لا غير‌ (ص. 86‌).

النَّذر للضـرائح والأمـوات والتـوسل بهم

أما النذور للضرائح والقبور والأولياء والصالحين، فهي في أغلبها‌ تكون‌ بمعنى جعل الجـزاء له كـأن يقول‌: إن‌ رزقني الله‌ ولداً‌ أو‌ فرَّج ما بي، فلله‌ علي أن أقرأ على قبر فـلان كـذا سـورة من القرآن، أو أسرج علي قبره أو‌ أذبح‌ شاة وأطعمها زواره أو سدنته، وغيرها‌ من‌ الطاعات‌ التي‌ تـشرع‌ فـيها النيابة عن‌ الأموات‌. وهذه النذور لا محذور فيها ولا شائبة شرك تعتريها، وقد أشار المـؤلف إلى بـعض الصـيغ الخاطئة‌ مع‌ القصد‌ السليم للزائر يقول: وقد اتفق لنا مراراً‌ أن‌ أعلمنا‌ من‌ لا‌ يعلم‌ منهم أن النـذر لا يـنعقد بقول: هذا نذر للولي الفلاني، ولا يجب الوفاء به شرعاً (ص. 88).

والخلاصة: فكل استعانة، أو اسـتفادة أو اسـتنصار ونـحو ذلك، سواء كانت‌ بالأموات أم بالأحياء، إذا كانت على نحو طلب استعانة المربوب من الرب والمخلوق من الخالق كـانت شـركاً وكـفراً. أما الحكم بأن مطلق الاستغاثة بغير الله كفر وإشراك بديهي البطلان، لا‌ يحكم‌ بـه إنـسان إلا إذا لم يكن ذا وجدان (ص. 92).

وبخصوص التوسل، فقد أكد المؤلف أنه يجوز التوسل إليه تعالى بكل محبوب له وكل مـقرب لديـه، وكذلك التوسل إلى إجابة‌ الدعاء‌ باختيار الأماكن الشريفة، مثل المساجد ومراقد الأئمة كـذلك واخـتيار الأوقات التي دلت الروايات أنها أوقات يرجى فـيها قـبول الدعـاء، وقد توسل الصحابة بالرسول‌، وثبت‌ أن عمر بـن الخـطاب توسل‌ بالعباس‌ عم النبي، ولم ينكر ذلك سوى أتباع ابن تيمية وابن عبد الوهاب.

كـذلك نـاقش المؤلف مسألة الشفاعة، فأكد أن ثـبوتها للنـبي مما اتـفقت عـليه‌ الأمـة‌ سلفاً وخلفاً لجوازها عقلاً‌ ونقلاً‌. وقـد مـيزوا فيها بين شفاعة الشريك في الألوهية، وشفاعة العبد المأمور الذي لا يفعل شيئاً إلا بـأمر مـولاه، ولو دققت النظر - كما يقول المؤلف ـ فـي كلام هؤلاء ـ أي الوهابية - فـي‌ الشـفاعة‌، لوجدتهم يؤمنون بلفظها ويكفرون بـمعناها، فـيثبتونها وهم لها نافون، ويعترفون بها وهم في الحقيقة لها منكرون(ص. 104).

وقد ختم المـؤلف أجـوبته الأربعة الأولى بفائدتين:

الأولى: تحدث فيها عـن بـيان المـسلم‌ الذي‌ لا يجوز‌ تـكفيره أو غـيبته أو انتهاك حرمته ويجب احـترام دمـه وعرضه وماله، المسلم الذي قتاله كفر وسبابه فسق‌، وهو المعتصم بالشهادتين ويؤدِّي الفرائض الخمس التـي بـنى عليها الإسلام، وجميع‌ المسلمين‌ الذين‌ يـكفرهم الوهـابية ويبيحون دمـاءهم هـم مـعتصمون بالشهادتين، ويقيمون الصلاة ويـؤدون الزكاة ويصومون رمضان ويحجون ويفعلون الطاعات الكثيرة ‌‌فكيف‌ يحكم بكفرهم؟!

الفائدة الثانية : ناقش فيها المؤلف فـكرة الفـرقة الناجية، فتعرض للأحاديث المروية عن‌ الفـرقة‌ النـاجية‌، وذكـر أن كـل فـرقةٍ من الفرق الإسـلامية إدعـت أنها الفرقة الناجية وأن غيرها في النار‌، وهذا ما تفعله الآن الوهابية عندما تكفِّر الأشاعرة من أهل السـنة والصـوفية والشـيعة‌ الإمامية، وبعد مناقشة ما‌ يتشبث‌ به الوهـابية مـن أدلة، خـلُص المـؤلف إلى أن الفـرقة النـاجية هي من اتبع الرسول وأهل بيته، فهم أهل السنة وأتباع القرآن، لأنهم عملوا بالأمر الوارد في أحاديث الرسول التي تحث على‌ موالاة أئمة أهل البيت(ع) وإتباعهم واتخاذهم قـدوة في الدين والدنيا، مصداقاً لقوله في الحديث الذي رواه أصحاب السنن وفي مسند أحمد بن حنبل. قال رسول الله(ص): "إني تارك فيكم خليفتين، كتاب‌ الله‌ وأهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عـلي الحـوض جميعاً". وقد ورد هذا الحديث في كتب الأحاديث بطرق مختلفة.

قل هاتوا برهانكم

في القسم الثاني من الكتاب، طالب المؤلف أهل‌ الإفتاء‌ من الوهابية بتقديم الأدلة على صحة إفتائهم بهدم القـبور والمـشاهد والمراقد في مكة والمدينة، هذه الفتاوي التي لم يقُم عليها عند عموم المسلمين دليل يعتمد علي ظهوره ويقطع بدلالته‌ وصدور‌، والاستناد إلى أدلة غير واضحة فـي الدلالة، ولا صـريحة في المطلوب، ولا قوية في الإسـناد، لم يـعمل بها نقاد الأحاديث ومحقِّقو الأخبار. (ص/ 132). كما تساءل عن فحوى ادعائهم بأن‌ مرجعهم‌ القرآن‌ والسنة، فهذا قول يجهر به‌ كل‌ مسلم‌ ويعتمده كل موحد، لذلك لا بـد مـن بيان الوجه في الاعـتماد عـلى ما ينفردون بالاعتماد عليه، في تعريفهم للتوحيد، وما هي‌ العبادة‌ التي‌ لا تكون إلا لله تعالى، ولو أتى بها‌ لغيره‌ كان الآتي بها مشركاً خارجاً عن الإسلام؟ وما الفرق بين الإطاعة والعبادة؟ وما هي البدعة المـحرَّمة فـي الدين؟ وما الدليل على هدم‌ القبور‌ وتسويتها‌ بالأرض؟ ولماذا يمنعون النساء من زيارة القبور؟ وتحريمهم لعدد من الأفعال المرتبطة‌ بالتطور الحضاري. وقد أعاد المؤلف استعراض بعض الأدلة مما كان قد أورده في القسم الأول وأحال عـليه. كـما‌ أكد‌ خـطورة‌ الإفتاء من دون علم مُشيراً إلي التناقض الذي وقع فيه الوهابيون‌، فهم‌ في الوقت الذي يتحرجون فيه من الإفتاء في قـضايا بسيطة بحجة أنهم لم يجدوا لها ذكراً‌ في‌ كلام‌ القدماء، يسارعون إلى تـكفير المـسلمين والاعـتداء علي آثارهم وهدمها، ويخاطبون الموحدين المسلمين‌ بالآيات‌ الواردة‌ في حق المشركين والكفار الجاهليين؟!

الإكراه المذهبي

من القضايا المهمَّة كـذلك ‌ ‌التـي ناقشها المؤلف، قضية‌ الإكراه‌ المذهبي‌، لأن الجزيرة العربية فيها أتباع السنية والشيعية، ولمَّا اسـتولي الوهـابيون عـلى الحجاز والأماكن المقدسة‌ حاربوا‌ كل من لا يقلدهم في العقائد والفقه، وقتلوا عدداً من علماء أهـل السنة‌، ولم‌ يعترفوا‌ بأي مذهب، إلا مذهبهم الخاص، وهو مذهب ابن تيمية، ولم يسمحوا لمـخالف بإبداء رأيه‌. وقد‌ تـعرض الشـيعة الإمامية، في مناطق الإحساء والقطيف في المنطقة الشرقية من الجزيرة - وهي‌ منطقة‌ أغلب‌ أهلها شيعة إمامية - إلى اضطهاد مذهبي ولا يزالون يعانون منه إلى الآن، حيث حاول الوهابيون‌ إكراههم‌ على اعتناق الوهابية بالقوة، وطلبوا مـن أميرهم إلزامهم بالبيعة للوهابية، ومنعوهم من‌ بناء‌ المساجد‌ والصلاة فيها وفق مذهبهم بل ألزموهم بالصلاة جماعة وراء أئمة من الوهابية، كما منعوهم من‌ إقامة‌ شعائرهم‌ مثل الاحتفالات بمناسبة مولد الرسول(ص) وأئمة أهـل البـيت(ع) ووفياتهم. وقد دافع المؤلف‌ عن‌ قناعة الإمامية بعقائدهم، وخصوصاً ارتباطهم بأئمة أهل البيت(ع) مؤكداً أنه لا يجوز إكراه أي مسلم على‌ اعتناق‌ مذهب معين أو اتباع مجتهد بعينه، لعدم وجود دليل علي ذلك،

فـلكل‌ مـذهب‌ أدلة وبراهين من الكتاب والسنَّة، والشيعة الإمامية‌ رغم‌ اقتناعهم‌ بصحة اعتقادهم بأن الإمامة من أصول الدين‌، فإنهم‌ لا يرون أن مخالفيهم كفار، بل يحكمون ويفتون بصحة أعمالهم وفقاً للمذاهب التي‌ يقلدونها‌، ولا وجـه ولا دليـل لتكفير‌ من‌ يعمل وفق‌ ما‌ يقتضيه‌ مذهبه، لأنه يتدين بما يراه حجة‌ في‌ مذهبه، اللهم، إلا إذا كان ذلك مما يلزم به أهل المذهبين معا‌.

ويستمر‌ الهدم والتخريب

إن أهم ما يميز‌ هـذا الكـتاب هـو منهجه‌ في‌ معالجة القضايا المـختلفة، فـليس هـناك‌ سب‌ أو تحقير أو تكفير أو شتم للمخالف، كما هي عادة الوهابية، وإنما هناك‌ عرض‌ للأدلة بلغة عالم مجتهد يتقن‌ أصول‌ الحوار‌ والمناظرة، همُّه عـرض‌ الدليـل‌ والرد عـلي الخصم بلغة‌ علمية‌ بُرهانية، ثم يترك للقارئ حـرية الاخـتيار والتأمل في قوة الأدلة أو ضعفها. وقد تبين‌ لنا‌ من خلال هذه القراءة السريعة للكتاب‌ أن‌ أهل السنة‌ من‌ الأشاعرة‌ والشـيعة الإمـامية مـتقاربون كثيراً‌ في القضايا المختلف فيها مع أتباع ابن تيمية وتـلميذه ابن عبد الوهاب. لذلك على المسلمين‌ ان‌ ينتبهوا لهذه الملاحظة، فما يروِّج له‌ الوهابية‌ أو‌ ما‌ يطلق‌ عليهم اليوم السـلفية‌ مـن‌ عـقائد وآراء، إنما هو اجتهاد لفقيه حنبلي له آراء كثيرة شذَّ فيها عن مذهبه وعـن مـذاهب‌ المسلمين‌ الأخري‌ سنة وشيعة، وأن هناك اجتهادات أخرى لعلماء‌ آخرين‌ هي‌ من‌ القوة‌ والقرب‌ من الحقيقة الإسـلامية لدرجـة أن أي مـسلم أو باحث بمجرد ما يطلع عليها ينظر إلي الآراء الوهابية أو السلفية نظرة احتقار، ويتهم أصـحابها بـالسذاجة والبـُعد عن العقلانية‌ وعظمة الإسلام وبُعد نظره وعمق قيمه ومبادئه.

لقد كتب الكثير في الرد عـلي الوهـابية، ولو جـُمع ما كتبه علماء أهل السنة وعلماء الشيعة الإمامية، لوجدنا تراثاً ضخماً لو أطلع عليه‌ المـسلمون‌ لمـا وُجِد من يقلد أو يتبع الآراء والعقائد الوهابية، لكن مع الأسف، الكتابات السلفية تُغرق الأسـواق وتـوزع مـجاناً وخصوصاً في موسم الحج، وعلماء باقي المذاهب ركنوا إلى الصمت خوفاً‌ أو‌ طمعاً، والحرب السلفية عـلى الرأي الآخـر مستمرة، فأي مخالف من أهل السنة يكفرونه ويحاربونه في وسائل الإعلام حتي تـضيق بـه الأرض بـما رحبت‌. أما‌ الشيعة فهم كفار سلفاً، والخاسر‌ الأكبر‌ في هذه المعركة المذهبية هي الحقيقة الإسـلامية والآثـار الإسلامية في الجزيرة العربية

والحرمين، فرغم النداءات الكثيرة والردود المتنوعة لم يعر الوهابيون آذانـهم لأي أحـد‌، واسـتمروا‌ في الهدم والتخريب بحيث‌ لن‌ يتركوا أثراً يدل على الأجداد وسلف هذه الأمة مع أنـهم دعـاة السـلف.

إن الحجاز، وخصوصاً المدينتين المقدستين، من أكثر البقاع زخراً بالآثار الإسلامية، مقابر ومـساجد ومـواقع مرتبطة بأحداث مهمة في‌ تاريخ‌ الإسلام والمسلمين، ولكن الوهابية يعادون كل ما يمت بصلة إلى هذه الآثـار، بـحجة الخوف من الشرك والكفر. لا أعرف كيف تُهدَّم المساجد التاريخية خوفاً من الشـرك، وفـي الوقت الذي ينقِّب‌ العالم‌ فيه باطن‌ الأرض بحثاً عـن حـجر أو قـطعة قُماش أو حديد أو أي شيء يكشف عن حياة القـدماء وتـاريخهم‌، وتُصرف على ذلك الملايين!؟ لِمَ يهدم الوهابيون آثار العرب والمسلمين التي‌ حافظت‌ عليها‌ الأجـيال السابقة؟ إنـه تساؤل لا يمكن أن أجيب عنه أو أجـد له تـفسيراً منطقياً، فـهل هـدم هـذه الآثار ‌‌هو‌ للدفاع عن عقيدة التـوحيد خـوفاً من عدو لا يعرفه أحد يسميه الوهابية "شرك‌"، أو‌ أن‌ هدم هذه الآثار والمـعالم الإسـلامية يخفي وراءه مؤامرة يمثل فيها هؤلاء الأعـراب النجديون دور المعول‌ والفأس الصـماء التـي لا إرادة لها وإنما هي مفعول به؟ لا أسـتطيع الجـزم لأن‌ الحيرة تتملكني كما تتملك‌ غيري‌، وهو ينظر إلى الآثار الإسلامية تخرب بأيدي المـسلمين فـي الوقت الذي يصرف فيه الصهاينة مـلايين الدولارات للبـحث فـي باطن الأرض الفلسطينية عـن قـطعة حجر تدل على أن أجـدادهم المـزعومين قد مروا‌ من هنا، ولو وجدوها لطلعوا على العالم وعرضوها بوصفها أدلة تسوِّغ استعمارهم لفلسطين وتـجعل وجـودهم شرعياً. إن نكبة الآثار في جـزيرة العـرب وهدم البـقيع ومـقابر المـسلمين في مكة وغيرها مـن مدن‌ الحجاز‌ لا تماثلها فظاعة سوى نكبة بغداد على يد المغول، والتراث العلمي الذي ضاع في دجـلة والفرات؟!!

إن الهـدم والتدمير لا يزال مستمراً، فقد أفنى الوهـابيون آثـار النـبي(ص) والصـحابة والأئمـة في المدينة‌ المـنورة‌ ومـكة، حتى كاد - كما يقول يوسف بن السيد هاشم الرفاعي وهو من أهل السنة في الكويت - لا يـبقي مـنها إلا المـسجد النبوي الشريف وحده، في حين أن الأمم تـعتز‌ وتـحتفظ‌ بـآثارها ذكـرى وعـبرة ودليـلاً علي ماضيها التليد. بل إنهم ينتهزون كل عام فرصة صيانة وصباغة وترميم المسجد النبوي لإزالة الكثير من المعالم الإسلامية الموجودة في خلوة المسجد الشريف من‌ الآثار‌ والمدائح‌، مـثل محاولتهم طمس أبيات البُرْدَة‌ النبوية‌ المكتوبة‌ على الشباك لولا تدخل السلطة التي منعتهم من ذلك.

والآن، إنهم يتربَّصون بالقبة الخضراء، قبة القبر النبوي الشريف، فقد طالب ناصر‌ الألباني‌ بإخراج‌ قبر المصطفي(ص) من المـسجد النـبوي وزعم أن إبقاء‌ القبر‌ النبوي في المسجد من بدع المدينة المنورة، كما اعتبر مُقبل بن هادي الوادعي كذلك - وهو من عتاة السلفية وأشدهم‌ سباً‌ وشتماً‌ لمن خالفهم - وجود القبر والقـبة الشـريفة، بدعة كبيرة وطالب بإزالتها‌ وهدمها وإخراج القبر الشريف من المسجد، فليعذر المسلمون، إن الوهابية يتربصون بالقبر النبوي الشريف ليهدموه ويهدموا القبة الخضراء‌ المبنية‌ فـوقه‌، ولولا خـوف ساستهم من العواقب لأصبحت الآن أثـراً بـعد عين، لكنهم‌ ينتظرون‌ الفرصة فقط؟! لذلك نجدِّد نداءنا للمسلمين في كافة بقاع العالم، ونطالب بإرسال رسائل تحذيرية للسلطات السياسية هناك‌ من‌ عواقب‌ الانجرار وراء الفتاوى الوهابية والسـلفية المـتطرفة الداعية إلى هدم ما تـبقى مـن‌ الآثار‌ الإسلامية‌، وخصوصاً قبة قبر الرسول(ص)، ونذكر من يقرأ الفكر الوهابي المعادي لبناء القبور والقباب والأضرحة‌، بأن‌ الصحابة‌ والتابعين هم من دفن الرسول(ص) حيث هو الآن، وقد وسَّعوا مسجده ولم نسمع عـن‌ أحـد‌ منهم أنه طالب بإخراج قبره(ص) من المسجد أو طالب بهدم قبره أو هدم‌ القبة‌ المبنية‌ عليه، وهم من بني القبور والقباب وحافظ عليها، وهؤلاء هم سلف هذه الأمة، فأين‌ الاتباع‌ للسلف يـا أدعـياء السلفية؟!

إنه ابـتداع محض، واعتداء صارخ على الإسلام ومعالم حضارته ومقوماتها‌، فهل‌ من‌ مذَّكر!؟

المصدر: مجلة المنهاج

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم