مناظرة الإمام الرضا عليه السلام مع أهل الملل في العصمة

الأربعاء 18 يوليو 2018 - 13:04 بتوقيت غرينتش
مناظرة الإمام الرضا عليه السلام مع أهل الملل في العصمة

اسلاميات_الكوثر: مناظرة خاصة بين الامام الرضا عليه السلام واهل الملل في العصمة...

قال أبو الصلت الهروی : لما جمع المأمون لعلی بن موسى الرضا أهل المقالات من أهل الاِسلام والدیانات من الیهود والنصارى والمجوس والصابئین وسائر أهل المقالات ، فلم یقم أحد إلاّ وقد ألزمه حجته کأنه ألقم حجراً، قام إلیه علی بن محمد بن الجهم فقال له : یا بن رسول الله أتقول بعصمه الاَنبیاء ؟
قال : نعم
قال : فما تعمل فی قول الله عز وجل : ( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) (۱) وفی قوله عز وجل : ( وَذَا النُّون إذ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نقدِر عَلَیه ) (۲) وفی قوله عز وجل فی یوسف : ( وَلَقَد هَمَّت بِه وَهَمَّ بِها ) (۳) وفی قوله عزوجل فی داود علیه السلام : ( وَظَنَّ دَاود أنَّما فَتَنَّاه ) (۴) وقوله تعالى فی نبیه محمد : ( وَتُخفی فی نَفسِکَ ما اللهُ مُبدیهِ ) (۵)
فقال الرضا : ویحک یا علی اتق الله ولا تنسب إلى أنبیاء الله الفواحش، ولا تتأول کتاب الله برأیک فإنّ الله عزّ وجلّ قد قال : ( وَمَا یَعلمُ تَأوِیلَهُ إلاّ اللهُ والراسِخُونَ ) (۶) .
وأما قوله عز وجل فی آدم : ( وعصى آدم ربه فغوى ) فإن الله عزوجل خلق آدم حجه فی أرضه وخلیفه فی بلاده لم یخلقه للجنه وکانت المعصیه من آدم فی الجنه لا فی الاَرض ، وعصمته تجب أن تکون فی الاَرض لیتم مقادیر أمر الله ، فلما أهبط إلى الاَرض وجعل حجه وخلیفه عُصم بقوله عزّ وجلّ : ( إنَّ اللهَ اصطَفى آدَمَ ونُوحاً وآل إِبراهیمَ وآلَ عمرانَ على العالَمِین ) (۷) .
وأما قوله عز وجل : ( وَذَا النُّون إذ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نقدِر عَلَیه ) إنّما ظن بمعنى استیقن أن الله لن یضیق علیه رزقه ، ألا تسمع قول الله عز وجل : ( وأَمَّا إذا مَا ابتلاَه رَبه فَقَدَرَ علیهِ رِزقَه ) (۸) أی ضیق علیه رزقه، ولو ظن أن الله لا یقدر علیه لکان قد کفر .
وأما قوله عز وجل فی یوسف : ( وَلَقَد هَمَّت بِه وَهَمَّ بِها ) فإنّها همَّت بالمعصیه وهمَّ یوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما تداخله فصرف الله عنه قتلها والفاحشه ، وهو قوله عز وجل : ( کَذَلِکَ لِنصرِفَ عَنهُ السُّوءَ والفَحشَاءَ ) (۹) یعنی القتل والزنا .
وأما داود فما یقول من قبلکم فیه ؟
فقال علی بن محمد بن الجهم یقولون : إن داود علیه السلام کان فی محرابه یصلی فتصور له إبلیس على صوره طیر أحسن ما یکون من طیور فقطع داود صلاته وقام لیأخذ الطیر فخرج الطیر إلى الدار فخرج الطیر إلى السطح فصعد فی طلبه فسقط الطیر فی دار أوریا بن حنان فاطلع داود فی أثر الطیر فإذا بامرأه أوریا تغتسل فلما نظر إلیها هواها وکان قد أخرج أوریا فی بعض غزواته فکتب إلى صاحبه أن قدم أوریا أمام التابوت فقدم فظفر أوریا بالمشرکین فصعب ذلک على داود ، فکتب إلیه ثانیه أن قدمه أمام التابوت فقدم فقتل أوریا فتزوج داود بامرأته.
قال : فضرب الرضا بیده على جبهته وقال : إنا لله وإنا إلیه راجعون ، لقد نسبتم نبیاً من أنبیاء الله إلى التهاون بصلاته حین خرج فی أثر الطیر ثم بالفاحشه ثم بالقتل .
فقال : یا بن رسول الله فما کان خطیئته ؟
فقال : ویحک إن داود إنما ظن أن ما خلق الله عز وجل خلقاً هو أعلم منه، فبعث الله عز وجل إلیه الملکین فتسورا فی المحراب فقالا : ( خَصمَانِ بَغَى بَعضُنَا عَلَى بعضٍ فاحکُم بَینَنَا بالحقِّ ولا تُشطِط واهدِنَا إلى سَوَاء الصِّراط، إنَّ هَذا أَخی لَهُ تِسع وتِسعُونَ نَعجَهً ولی نَعجَهٌ واحِدَهٌ فَقَالَ أَکفِلْنیها وَعزَّنِی فی الخِطَابِ ) (۱۰) فعجل داود على المدعى علیه فقال : ( لَقَدَ ظَلَمَکَ بِسؤالِ نَعجَتِکَ إِلى نِعَاجِهِ ) (۱۱) فلم یسأل المدعی البینه على ذلک ولم یقبل على المدعى علیه فیقول له : ما تقول ؟ فکان هذا خطیئه رسم الحکم لا ما ذهبتم إلیه ، ألا تسمع الله عز وجل یقول : ( یا دَاوُدُ إنَّا جَعَلنَاکَ خَلیفَهً فی الاََرضِ فاحکُم بینَ النَّاسِ بالحقِّ وَلا تَتَّبِع الهَوَى ) (۱۲) إلى آخر الآیه .
فقال : یا بن رسول الله فما قصته مع أوریا ؟
فقال الرضا : إنَّ المرأه فی أیّام داود کانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبداً وأوّل من أباح الله له أن یتزوج بامرأه قتل بعلها کان داود فتزوج بامرأه أوریا لما قتل وانقضت عدتها منه فذلک الذی شق على الناس من قبل أوریا.
وأما محمد وقول الله عز وجل : ( وَتُخفی فی نَفسِکَ ما اللهُ مُبدیهِ وَتخشَى النَّاس واللهُ أحقُّ أن تَخشاه ) (۱۳) فإنَّ الله عز وجل عرف نبیه أسماء أزواجه فی دار الدنیا وأسماء أزواجه فی دار الآخره وأنهن أُمّهات المؤمنین، وإحداهن من سمى له زینب بنت جحش ، وهی یومئذ تحت زید بن حارثه فأخفى أسمها فی نفسه ولم یبده لکیلا یقول أحد من المنافقین : إنَّه قال فی امرأه فی بیت رجل إنَّها إحدى أزواجه من أُمَّهات المؤمنین ، وخشی قول المنافقین، فقال الله عزّ وجل : ( وَتخشَى النَّاس واللهُ أحقُّ أن تَخشاه ) یعنی فی نفسک وإن الله عزّ وجل ما تولى تزویج أحد من خلقه إلاّ تزویج حواء من آدم وزینب من رسول الله بقوله : ( فَلَمَّا قَضَى زَیدٌ مِنهَا وطراً زوَّجنَاکهَا ) الآیه، وفاطمه من علی .
قال : فبکى علی بن محمد بن الجهم فقال : یابن رسول الله ، أنا تائب إلى الله عز وجل من أن أنطق فی أنبیاء الله : بعد یومی هذا إلاّ بما ذکرته (۱۴)

المصادر:
(۱) سوره طه: الآیه ۱۲۱ .
(۲) سوره الاَنبیاء: الآیه ۸۷ .
(۳) سوره یوسف: الآیه ۲۴ .
(۴) سوره ص : الآیه ۲۴ .
(۵) سوره الاَحزاب : الآیه ۳۷ .
(۶) سوره آل عمران : الآیه ۷٫
(۷) سوره آل عمران : الآیه ۳۳ .
(۸) سوره الفجر : الآیه ۱۶ .
(۹) سوره یوسف: الآیه ۲۴ .
(۱۰) سوره ص : الآیه ۲۲ و۲۳ .
(۱۱) سوره ص : الآیه ۲۴ .
(۱۲) سوره ص : الآیه ۲۶ .
(۱۳) سوره الاَحزاب : الآیه ۳۷ .
(۱۴) عیون أخبار الرضا للصدوق : ج۲ ص ۱۷۰ ـ ۱۷۳ ب ۱۴ .

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم