هل تعذيب ومعاقبة النبي سليمان للهدهد ينافي عصمة الأنبياء..؟

الإثنين 4 فبراير 2019 - 07:05 بتوقيت غرينتش
هل تعذيب ومعاقبة النبي سليمان للهدهد ينافي عصمة الأنبياء..؟

مفاهيم قرآنية – الكوثر: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ هل ينافي العصمة؟

 

المسألة:

قولُه تعالى يحكي من أحوال سُليمان (ع): ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾(1) ألا يكون تعذيبه ومعاقبته للهدهد - وهو من العجماوات غير المكلَّفة – منافيًا للعصمة؟

 

الجواب:

أولًا: لو فرضنا أنَّ التعذيبَ للهُدهُد كان عقوبةً غير مُستحقَّة فيكون من الظلم الذي يتنزَّه عنه الأنبياء لعصمتِهم فإنَّ فيما صدر عن نبيِّ الله سليمان(ع) لم يكن منافيًا للعصمة فهو لم يُوقِع العذابَ على الهُدهُد ولا قتلَه عقوبةً، وكلُّ ما كان قد صدر عنه هو التهديدُ والوعيد، ولم يثبتْ أنَّ المعصومَ لا يهمُّ بالذنب وإنَّما الثابتُ أنَّه لا يرتكبُه، فقد يتَّفق أنْ يهمَّ المعصومُ بذنبٍ فتحجزُه العصمة - والتي هي التقوى الكاملة -عن ارتكابِه، نعم قد يحظى بعضُ المعصومين بمرتبة ٍ تفوقُ مرتبةَ العصمة فلا يهمُّ بذنبٍ أبدًا إلا انَّ ذلك ليس من مُقتضيات العصمة بل هو كمالٌ يفوقُ مرتبةَ العصمة يحظى به بعضُ المعصومين، ولذلك فهم متفاوتونَ في الفضل.

 

ثم إنَّ التهديد والوعيد من ُسليمان للهُدهُد قد لا يكون جدِّيًا وإنَّما كان لغرض الإستصلاح، فسُليمان كان ملِكًا فهو يسوسُ جنودَه بما يُصلِح شأنَهم، وكان الهُدهُد من أجناده كما نصَّ على ذلك القرآن، وعليه لا يكون تهديدُه له بالعذاب أو القتل بداعي الإستصلاح داخلًا في الوعيد بغير ما هو مُستحَق فلا يعدُّ سليمانُ وما صدر عنه ممَّن همَّ بالذنب ولم يفعله . هذا أولًا.

 

وثانيًا: إنَّ الإشكال المذكور مبتنٍ على افتراض أنَّ الهُدهُد كان من العجماوات غير العاقلة فلا يتَّجه تكليفُه ولهذا لا تصحُّ مؤاخذُته على فعلٍ أو ترك وأمَّا لو افترضنا بأن الهُدهُد كان عاقلًا مختارًا فإنَّه يُصبحُ قابلًا للتكليف وتصحُّ مؤاخذتُه وايقاعُ العقوبة عليه لو خالف مقتضى التكليف بسوءِ اختياره .

 

والظاهرُ من مساق الآيات انَّ هُدهُدَ سُليمان كان عاقلًا مُختارًا بل كان على درجةٍ عاليةٍ من الإدراك والعقل قد يتفوَّق بها على بعض أفراد بني الإنسان، وليس ذلك على الله بعزيز فالذي منَحَ الإنسانَ العقل - ولو لم يفعل لكان شأنُه شأنَ سائر الحيوانات – قادرٌ على أنْ يمنحَ العقلَ لطيرٍ أو سَبُعٍ أو غيرهما من الدواب.

 

فجنسُ الهُدهُد وإنْ كان من العجماوات إلا أنَّ القرآن كان يتحدَّث عن هُدهُدٍ معين كان ضمن أجناد سليمان(ع) وقد وصف القرآنُ من أحواله ما يؤكِّدُ كمال عقلِه، فهو قد أحاط من شأنِ سبأٍ بعلمٍ لم يُحطْ به سُليمان، فقد أدرك أنَّ البلد التي اطَّلع على أحوالها يُقال لها سبأ، وعلم أنَّ امرأةً تملكُهم فهو اذن يُميِّزُ النساء من الرجال، وأدرك أنَّ موقعَها من الناس موقعُ المَلِكِ من رعيتِه، وأخبرَ عن أنَّها أُوتيت من كلِّ شيء، فهو قد أدرك مبلغَ قدرتِها وماترفلُ فيه من النعيم ثم تصدَّى لوصف عرشها وكرسيِّ حكمِها فقال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾(2) ثم ركَّز فيما أخبرَ به على ما يشغلُ اهتمامَ سُليمان فذكر أنَّها وقومَها يسجدون للشمس ولا يعبدون اللهَ تعالى ثم تصدى لبيان منشأ ضلالِهم وأنَّ منشأه تزيينُ الشيطان وصدُّه لهم عن السبيل القويم، ثم عابَ عليها وعلى قومِها في محضر سليمان واستنكر عليهم كيف يسجدون للشمس ولا يسجدون للهِ الذي أخرج الخبءَ في السماوات والأرض ويعلم ما يُخفون وما يعلنون.

 

وبعد أنْ أصغى سُليمان لخبرِه لم يجزمْ بصدقِه فاحتمل في حقِّه أن يكون كاذبًا مُخادِعًا يبتغي بذلك الإعتذار عن غيبتِه، والصدقُ والكذبُ والخديعةُ والإعتذارُ إنَّما هي من شأنِ العقلاء.

 

ثم إنَّ سليمان كلَّفه ليَختبِرَ صدقَه كلَّفه بما يُكلَّفُ به العقلاء بل بما يُكلَّف به ذوو العقول الراجحه، فهو قد حمَّله رسالةً وأوصاه بإلقائها إلى الملكةِ دون غيرها ثم كلَّفه بالنظر ومتابعةِ أحوالِها وأحوال قومها وأنْ يتلطَّف فيكونُ منهم في موضعٍ يعرفُ به ما تبرمُه وقومُها من قرارٍ

 

فأحكمَ وأتقنَ المُهمةَ التي أُنيطتْ به ثم عاد إلى سليمان فأخبرَه انَّها جمعت قومَها وتلتْ عليهم كتابه وشاورتْهم في ذلك واقتضى رأيُها ورأيُهم أنْ يبعثوا إليه بهديةٍ لينظروا بما يرجعُ المرسلون.

 

﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾(3).

 

فهل يبقى من تردُّدٍ بعد الوقوف على هذا النصِّ القرآني والإيمان بصدقِه وعصمتِه أنَّ هُدهُدَ سليمان لم يكن شأنُه شأنَ بني جنسِه وأنَّ الله تعالى قد منحَه من العقل ما يتأهَّل به للتكليف والمُساءلة والمُؤاخذة.

 

وكذلك كان يتعاطى معه سليمانُ النبيُّ، فكان قد خاطبه كما يخاطِبُ العقلاء وطالبه بسلطانٍ وبرهانٍ يبرِّرُ غيابه كما يطالب العقلاء، واعتذر إليه الهُدهُد بما يعتذرُ العقلاء لأنفسِهم، وأرسله ليختبِرَ صدقَه، وهل يختبِرُ عاقلٌ صدقَ طيرٍ من كذبِه لولا انَّه كان يعلمُ من شأنِه أنَّ الله تعالى قد منحَه العقل.

 

ثم إنَّ سليمان قد رتَّب على خبرِ الهُدهد أمرًا خطيرًا: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾(4) ولم يكنْ سُليمان يعلم عن عرش بلقيس إلا مِن خبر الهُدهُد الذي قال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.

 

كلُّ ذلك يؤكِّد أنَّ الهُدهُد كان عاقلًا وإذا ثبت أنَّه عاقل لم يكن من محذورٍ في وضع التكليف عليه بما يتناسبُ مع قدرته، وإذا صحَّ تكليفه صحتْ مؤاخذتُه ومحاسبتُه لو تجاوز مقتضى ما كُلِّف به. وبذلك لا يكون تهديدُ سليمانُ له بالعذاب أو الذبح من التهديد بما هو غير مستَحَق.

 

وممَّا ذكرناه يتبيَّنُ الجوابُ عمَّا استشكله البعضُ من أنَّ نفش ريشِ الطير أو حبسَه أو ذبحَه وإنْ كان جائزًا في نفسِه لكنَّ صدور ذلك عقوبةً يُعدُّ مِن الظلم المُستَهجَن لأنَّ الطيرَ وكذلك سائر الحيوان لا يُعاقبُ على فعلٍ أو ترك فإنَّ جوابَ هذا الاستشكال هو أنَّه مع التسليم بأنَّ تهديدَ سُليمان للهُدهُد كان من التهديد بالعقوبة فإنَّ ذلك لا محذورَ فيه وليس هو من الظُلم ولا من التهديدِ بالظلم المُستهجَن وذلك لأنَّ هُدهُد سليمان كانت له خصوصيَّةٌ تُميِّزُه عن سائر الطيور فقد كان ممَّن منحَه اللهُ تعالى العقلَ المُصحِّح للتكليف والمؤاخذة في فرض التجاوز لمقتضى التكليف.

 

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

 

المصدر: مركز الهدى للدراسات الإسلامية

-----

 

1- النمل/20-21.

2- النمل/23.

3- النمل/22-35.

4- النمل/38.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم