الزهراء.. غرس النبوة وشجرة الإمامة

الثلاثاء 21 يناير 2020 - 08:01 بتوقيت غرينتش
 الزهراء.. غرس النبوة وشجرة الإمامة

اسلاميات_الكوثر: في ظروف عصيبة كانت تمر بها الدعوة الإسلامية حيث يلتحم معسكر الأيمان – وهو مايزال غضا – مع معسكر الوثنية بقوته وجبروته، في مثل هذه المعركة الضاربة بين رسالة السماء وفوضى الجاهلية، وفي اقسى الظروف التي تمر بها الرسالة الإسلامية المباركة وفي العشرين من شهر جمادي الأخر في السنة الخامسة من البعثة النبوية الشريفة، يعلن البيت النبوي بيت الرسالة، نبأ ميلاد فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ولدت فاطمة سلام الله عليها في وقت كانت امها خديجة رضوان الله عليها، قد قوطعت نهائيا من جميع النساء القريشيات، اسوة برجالهن الذين قاطعوا محمدا المنقذ (صلى الله عليه وآله)، وحين يكون بيت الرسالة قد قوطع من قريش هذه المقاطعة العنيفة الظالمة، وحين يفرض هذا الحصار الشاق، فلا بد للسماء ان تحطّم هذه الاغلال وتقهرها أمام عمل غيبي مشهود، قد تعاقدوا على محاصرة محمد وأهل بيته عليه السلام فالسماء مستعدة لنصرته ونصرة من يحذو حذوهم. أجل امتدت يد السماء الكريمة لتشارك خديجة، في مراسم ولادتها لفاطمة (سلام الله عليها) ..وتضع خديجة ابنتها الزهراء.. فيذاع النبأ وتردد اصداؤه في كل افق ليبلغ كل مجاهد من اتباع محمد صلى الله عليه وآله.. ولدت فاطمة (سلام الله عليها) في وقت كانت امها تنتظر مولودتها بفارغ الصبر ولهفة شوق لتميط عنها الوحشة التي فرضتها عليها قريش.
وكان لهذا النبأ المبارك صداه العميق في النفوس المجاهدة الصابرة في المعترك وفي جميع الجبهات التي تملكها دعوة الله تعالى في مكة المكرمة، وسرى البنأ إلى القائد والنبي محمد (صلى الله عليه وآله) فاشرق وجهه المبارك بالبشر وتهلل فرحا وسرورا وأسرع إلى خديجة (سلام الله عليها) ليبارك لها في مولودتها، وكان اول بادرة فاه بها (صلى الله عليه وآله): أن دعاها بفاطمة ولقبها بالزهراء..
وراحت تتغذى من لبن امها السيدة خديجة مشوبا بالهداية، فراحت تنمو روحيا وفكريا كما تنمو جسميا وكان اهتمام اهتمام الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) بها منقطع النظير ولكن هذا الاهتمام لم يكن مجرد أهتمام عاطفي تفرضه عاطفة الابوة، بل كان هذا الاهتمام مقصودا وهادفا، حيث رأى الرسول (صلى الله عليه وآله) في ولادة فاطمة عليها السلام ولادة الامداد الرسالي لان فاطمة ستكون وعلي عليه السلام، مدرسة يتخرج من احضانها قادة الامة المخلصين المتمثلين بائمة أهل بيت الرسالة المعصومين الائمة الاثنى عشر، وحقا انها كانت سلام الله عليها غرس النبوة وشجرة الإمامة.
وهنا تتجلى حقيقة اخرى، هي ان اليد التي صنعت من فاطمة (سلام الله عليها) أُما للقادة المعصومين، هي نفسها اليد التي صنعت من علي بن أبي طالب عليه السلام ابا وزعيما وقائدا لهم حيث كان الرسول (صلى الله عليه وآله) قد ربي عليا في بيته يوم املق عمه فلم يكن اختياره لعلي (سلام الله عليه) عفويا بل كان ذلك وفق تصميم غيبي ورصين لكي تكون بيته بيئة علي وفاطمة – بعد زمن- مدرسة الامامة لتكون الامداد الرسالي لرسالة المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله) وفقا للارادة الالهية المرسومة.
وهكذا آن لفاطمة (سلام الله عليها) ان تتلقى تعاليم الوحي وتلقي تنفيذ وتمثيل على فكرها وسلوكها وكل الوان نشاطاتها.
وقد أشاد النبي الكريم بعظيم منزلة الزهراء الطاهرة، وبما بلغته من موقع ريادي في خط الرسالة محتذيا خُطى القرآن الكريم فيما صرح به من فضائل ومكرمات لأهل البيت عليهم السلام بشكل عام وللزهراء عليه السلام بشكل خاص. ولقد مدح القرآن الكريم اُناسا خلدهم بآيات تتلى أناء اليل وأطراف النهار، إكبارا لمواقفهم ولتفانيهم في سبيل الحق. وممن خصهم الله تعالى بالذكر الحكيم الجلي واشاد بمواقفهم وفضائلهم، أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد ورد المؤرخون والمفسرون آيات كثيرة في مدحهم كما خصهم بالثناء في سور شتى تقديرا لسلامة خطهم واعترافا بحسن سمتهم ودعوة للاقتداء بهم، ومنها: الزهراء كوثر الرسالة، حيث ان سورة الكوثر( انا اعطيناك الكوثر..) و(ان شانئك هو الابتر) تشير بوضوح الى ان الخير يرتبط بكثرة النسل ودوامه. وقد عرف العالم أن نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد استمر من خلال ابنته الزهراء عليها السلام، كما صرحت بذلك جملة من احاديث الرسول (صلى الله عليه وآله). ومنها ايضا الزهراء في سورة الدهر، فالزهراء مع علي والحسن والحسين ممن شهد الله تعالى لهم بانهم من الابرار الذين يشربون من كاس كان مزاجها كافورا، وممن يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره متسطيرا، وممن يطعمون الطعام على حبه، ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة وانهم يطعمون لوجه الله لايريدون جزاء ولاشكورا، وانهم ممن صبروا في ذات الله.. وانهم ممن وقاهم الله شر ذلك اليوم العبوس القمطرير.. ولقاهم نضرة وسرورا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا. وكذلك الزهراء في آية التطهير، فلقد نزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في بيت أم سلمة (رضي الله عنها) وذلك حينما كان قد ضم سبطيه الحسن والحسين واباهما وامهما اليه ثم غشاهم ونفسه بالكساء تمييزا له عن الاخرين، فنزلت الآية الكريمة (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )-الأحزاب/33. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد نزول الآية كلما خرج إلى الفجر يمر ببيت فاطمة ويقول: الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. ومنها ايضا ان مودة الزهراء عليها السلام أجر الرسالة: روى جابر عليه السلام، أن اعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يامحمد! أعرض علي الاسلام، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمدا عبده ورسوله، فقال: تسألني عليه أجرا؟ قال (صلى الله عليه وآله):  لا إلا المودة في القربى، فقال: قرباي او قرباك؟ قال: قرباي، قال: هات ابايعك، فعلى من لايحبك ولايحب قرباك لعنه الله، قال الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله): آمين. ومنها الزهراء عليها السلام في آية المباهلة (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) آل عمران(61).
اجمع أهل القبلة حتى الخوارج منهم على ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يدع من النساء سوى بضعته فاطمة الزهراء ومن الابناء سوى سبطيه وريانتيه الحسن والحسين عليها السلام، ومن الانفس إلا عليا عليه السلام، الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، فهولاء أصحاب هذه الآية لتي لايمكن جحودها، لم يشاركم احد من العالمين، كما هو بديهي لك من ألم بتاريخ المسلمين، وبهم خاصة نزلت لا بسواهم. ذهب اهل التفسير من جميع المسلمين انها نزلت حين خرج رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم بعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، لمباهلة نصاری نجران، في الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام، فعبرت الآية عن الحسن والحسين بابناء الرسول الاکرم (صلى الله عليه وآله) وعن فاطمة عليها السلام بنسائه وعن علي عليه السلام بالنفس، وفي ذلك مکانة رفيعة لم ينلها غيرهم. والمباهلة تعني الدعاء الی الله تعالی بانزال العذاب علی الکاذبين.
لقد باهل النبي (صلى الله عليه وآله) بهم خصومة من اهل نجران فانتصر عليهم، حيث قال: إذا دعوت فأمنوا، فقال أسقف نجران: يامعشر النصارى! إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جيلا لأزله بها، فلا تباهلوهم فتهلكوا، ولايبقى على وجه الارض نصراني إلى يوم القيامة..وقبلوا الجزیة علی انفسهم.
ومن جانب اخر تواترت هذه الشهادات في امثالها في كتب الحديث والسيرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي لاينطق عن الهوى ولايتاثر بنسب او سبب، ولاتأخذه في الله لومة لائم، حيث قال (صلى الله عليه وآله):
* أن الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها.
* فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن احبها فقد احبني.
* فاطمة قلبي وروحي التي بين جنبي.
* فاطمة سيدة نساء العالمين.
* وقال (صلى الله عليه وآله): (إنما فاطمة شجنة مني، يقبضني ما يقبضها وبيسطني ما يبسطها وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري..).
و..
ان الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) الذي ذاب في دعوته وكان للناس اُسوة حسنة فاصبحت فاطمة، خفقات قلبه ونظرات عينه ولمسات وخطوات سعية وإشاعات فكرة: قوله وفعلة وتقريره (اي سنته) بل وجوده كله معلما من معالم الدين ومصدرا للتشريع ومصباحا للهداية وسبيلا للنجاة.
وختاما، من دعائها عليها السلام: اللهم إني اسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، والعمل بما تحب وترضى، اللهم إني أسألك من قوتك لضعفنا، ومن غناك لفقرنا وفاقتنا، ومن حلمك وعلمك لجهلنا، اللهم صل على محمد وآل محمد، وأعنا على شكرك وذكرك وطاعتك وعبادتك يا أرحم الراحمين.

208
 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم