قراءة في تقرير كالامار حول اغتيال قادة النصر بمطار بغداد الدولي

الأربعاء 15 يوليو 2020 - 09:48 بتوقيت غرينتش
قراءة في تقرير كالامار حول اغتيال قادة النصر بمطار بغداد الدولي

العراق_الكوثر: أكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالإعدامات العشوائية والقتل خارج نطاق القانون أغنيس كالامار إن عملية اغتيال قائد فيلق القدس الفريق الشهيد قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي الشهيد أبو مهدي المهندس في بغداد في الثالث من يناير/كانون الثاني العام الجاري بضربة أميركية كانت "عملية قتل تعسفية وغير قانونية انتهكت ميثاق الأمم المتحدة".

وكتبت في تقريرها الذي قدمته يوم الأربعاء إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، مؤكدةً إن اغتيال قائد فيلق القدس الشهيد سليماني كان أمراً غير مسبوق، خاصة أنه تم في دولة ذات سيادة مستقلة؛ مشيرةً إلى أن الولايات المتحدة لم تقدّم أدلة على أن التخطيط كان جاريًا لاعتداء وشيك على مصالحها، وهو ما كان مبرر واشنطن لاغتيال سليماني. وقالت كالامارد في تقريرها إنه "في ضوء الأدلة التي قدّمتها الولايات المتحدة حتى اليوم، فإن استهداف الجنرال سليماني ومقتل مرافقيه يعد عملية قتل تعسفية تتحمّل الولايات المتحدة مسؤوليتها بموجب قانون حقوق الإنسان الدولي".

وقد كتب الباحث العرقي د. صلاح عبد الرزاق قراءة حول التقرير بعنوان: قراءة في تقرير الأمم المتحدة حول اغتيال قادة النصر في مطار بغداد الدولي"؛ وجاء فيها:

بعد سبعة أشهر على الجريمة، قدمت المقررة الأممية أغنيس كالامار تقريرها حول حالات الاعدام خارج القضاء إلى مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة عملاً بقرار المجلس 35 / 15؛ وذلك في دورته الرابعة والأربعين للفترة 15 حزيران – 3 تموز/يوليو 2020، ويتناول التقرير قضية القتل المستهدف من خلال الطائرات المسيرة المسلحة.

تركز التقرير حول حادثة اغتيال الشهيد قاسم سليماني (1957-2020) و الشهيد نائب قائد الحشد الشعبي جمال جعفر آل ابراهيم (أبو مهدي المهندس) (1954-2020) في 3 كانون الثاني/يناير 2020 بطائرة أميركية من دون طيار، الأمر الذي اعتبره التقرير انتهاكاً لسيادة العراق وإعداماً خارج القضاء، وأن عملية الاغتيال تفتقد لمبرر قانوني، وتعد انتهاكاً للميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية وميثاق الأمم المتحدة.

تضمن التقرير أكثر من ثمانين ملاحظة ومناقشة وتفنيداً للادعاءات الأميركية، وناقش قضايا جوهرية تجعله فصلاَ آخر في كتاب خيبة الدبلوماسية الأميركية.

ومن هذه القضايا:

أولاً: انتهاك السيادة العراقية

إذ يؤكد التقرير في فقرات عديدة على أن قيام الطائرة الأميركية بضرب منشأة مدنية وسيارة مدنية في بغداد انتهاكاً فاضحاً لسيادة دولة أخرى. وأن واشنطن اخفقت في تقديم تبرير مقبول في قتلها لهؤلاء الرجال أو سبب انتهاكها للسيادة العراقية.

وأشار التقرير إلى أن القانون الدولي يشترط موافقة الدولة المعنية على استخدام القوة في أراضيها. وهذا ما تجاهلته أميركا كلياً، ولم تُطلع الحكومة العراقية على نيتها باستخدام القوة في مطار بغداد الدولي.

وأضاف التقرير بأن وزير الدفاع الأمريكي (مارك أسبر) قد أعلن بأن بلاده لديها ما يبرر ضرب الجنرال سليماني في العراق بسبب "اخفاق العراق المزعوم في منع الهجمات الإيرانية".

منذ 11 أيلول/سبتمبر 2001 اتفقت الولايات المتحدة ودول أخرى على مبدأ (غير الراغب وغير القادر) للسماح بضربات داخل دولة إقليمية من دون موافقة، فكان على واشنطن أن تثبت أن العراق كان دولة غير راغبة أو غير قادرة على منع هجوم مستمر أو وشيك، وأن الضربة كانت ضرورية ومتناسبة.

إن تبرير واشنطن بأن الضربة جاءت رداً على هجمات كتائب حزب الله، لكنها لم تتمكن من اثبات أن الكتائب فعلاً ضربت أو تنوي ضرب أهداف أمريكية.

من جانب آخر فان العراق احتج رسمياً على هذه الضربة أمام مجلس الأمن، وأنه رفض "جر العراق إلى الصراع الأمريكي- الإيراني". وأن غارة الطائرات الأميركية ترقى إلى مستوى العدوان على دولة وحكومة وشعب العراق، وانتهاك صارخ لشروط وجود القوات الأميركية في هذا البلد.

وبذلك سقطت كل تبريرات الولايات المتحدة المرتبطة بانتهاكها السيادة العراقية، والزعم بأن الضربة كانت ضرورية لمواجهة تهديد خطير لقواتها أو مصالحها أو منشآتها.

ولا يمكن للولايات المتحدة تبرير جريمتها وانتهاك سيادة دولة أخرى بحجة ملاحقة الجنرال سليماني لأنه سبق لسليماني أن سافر إلى عدة دول في الشرق الأوسط وروسيا، فهل يعني أن أمريكا مستعدة لاختراق سيادة هذه الدول بحجة ملاحقته؟

ثانياً: مخالفة القانون الدولي

يؤكد التقرير بصراحة أن هجمات الطائرات المسيرة تشكل تحديات أساسية للمعايير القانونية الدولية، وأن الاغتيال ينتهك الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية وميثاق الأمم المتحدة. كما أن الاغتيال يعتبر اعداماً خارج القضاء أو إعداماً تعسفياً لم تسبقه إجراءات قانونية ضرورية. إن القتل التعسفي هو خرق للقيود القانونية للاستخدام المسموح به للقوة، فلا يمكن إلحاق الضرر بأشخاص آخرين قريبين من الحادث تحت أي ذريعة.

ودان التقرير الهجمات على المدنيين والمعالم المدنية كالمدارس والمستشفيات والاسعاف في أفغانستان وفلسطين وسوريا واليمن وليبيا. ان الأمر الذي سهل تلك الانتهاكات هو غياب المسائلة وتقديم تفسيرات من قبل الدول المنتهكة للقانون الدولي.

وذكر التقرير تصريح المقرر الخاص كريستوف هاينز الذي حذّر من أن "الاستخدام الموسع للطائرات من دون طيار المسلحة إذا لم يتم التصدي لها يمكن أن يلحق ضرراً هيكلياً بأركان الأمن الدولي ، ويضع سوابق تقوّض حماية الأرواح على المدى الطويل".

وشكك التقرير في الأسس القانونية التي يقوم على أساسها استخدام الطائرات المسيرة وإضفاء الشرعية عليها. كما اظهر التقرير أهمية حماية الحق في الحياة في النزاعات والحرب غير المتكافئة والكثير من حالات القتل التعسفي بحجة مكافحة الارهاب.

إن اغتيال الفريق سليماني هو أول حادث معروف تتذرع فيه دولة بالدفاع عن النفس كمبرر للهجوم على ممثل دولة أخرى في إقليم دولة ثالثة. وهذا مخالف لحظر استخدام القوة في المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة.

ثالثاً: معالم الجريمة

تعد عملية اغتيال الشهيدين المهندس وسليماني جريمة دولية تفتقد لجميع المبررات القانونية بل وتعد اعداماً تعسفياً خارج القضاء، وإن استخدام الطائرات المسيرة في عمليات الاغتيالات تعتبر تهديداً للسلم الدولي ، إذ يشير التقرير إلى أن استخدام الطائرات المسيرة لاستهداف مسؤول رفيع لدولة أجنبية على أراضي دولة ثالثة هو تطور كبير وتصعيد خطير.

وأشار التقرير بأن تبريرات الولايات المتحدة في عملية اغتيال هؤلاء الرجال غير قانونية وليس لها أساس، وأن واشنطن لم تقدم تفسيرات رسمية لمجلس الأمن الدولي تؤكد ما إذا كان هؤلاء الرجال أهدافاً، لأنهم اعتبروا جزء من الهجوم المستمر أو الوشيك الذي ادعت الولايات انه بصدد استهدافها، وعليه تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية عن كل ما ينتج من حالات وفاة تعسفية.

إن السكوت على هذه الانتهاكات الخطيرة سيمهد لاغتيالات قادمة لمسؤولين رفيعي المستوى لدول أعضاء في الأمم المتحدة. وبذلك ستتفاقم اوضاع السلم الدولي لينزلق في منحدر خطير.

وأضاف التقرير: إن تصنيف الولايات المتحدة لفرد أو جماعة أنهم "إرهابيون" لا يلزم دول أخرى بهذا التصنيف. وسبق لواشنطن أن صنفت حرس الثورة " منظمة إرهابية" . ولا يوجد إي إلزام على أي دولة أخرى لتبني هذا التصنيف.

لقد ادعى الرئيس دونالد ترامب أن "سفارة بلاده في بغداد تحت التهديد الايراني، ثم وسّعها إلى أربع سفارات دون وجود اثبات أو دليل ملموس. إن مبرر واشنطن في اغتيال الشهيد سليماني هو بمثابة ردع لتفادي هجمات مستقبلية دون توضيح أين ومتى ستقع؟" لقد اخفقت واشنطن في اثبات أن الجنرال سليماني يشكل تهديداً وشيكاً، وأنه كان عليها أن تضربه.

موقف الحكومة العراقية

للأسف لم تقم حكومتا عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، بأي تحقيق جنائي وفني واستخباري حول اغتيال المهندس ورفيقه ومرافقيهما، في حين قامت السلطات الايرانية باجراء تحقيق ووجهت إحدى المحاكم الايرانية تهمة القتل العمد للرئيس الأمريكي ونحو 40 شخصا آخر اتهمتهم بالضلوع في الجريمة، وطالبت الشرطة الدولية (الإنتربول) بتسليمهم لطهران لمحاكمتهم. نعلم أن الإنتربول لن يقوم بأي رد فعل تجاه الطلب الايراني لكنه يمثل سابقة قضائية دولية أن تقوم دولة بإصدار حكم قضائي ضد رئيس أمريكي.

إن إحجام الحكومة العراقية عن إجراء تحقيق حول اغتيال قادة النصر يمثل عجزاً سياسياً وأمنياً واخفاقا دبلوماسياً، لأنها تعطي الانطباع بأنها غير قادرة على الدفاع عن مصالح العراق وشعبه ومتابعة من يعتدي على السيادة العراقية، على الرغم من أنها ترفع شعار السيادة وفرض هيبة الدولة.

إن الجريمة حدثت في منشأة مدنية، أي في محيط مطار بغداد الدولي، وبالتالي يجب كشف كل الملابسات والتفاصيل، مثلا مصادر المعلومات التي حصلت عليها المخابرات الأميركية، وتوقيت وصول الطائرة، وصعود الجنرال سليماني اليها، وهوية الجواسيس داخل مطار بغداد الذين أبلغوا عن نوع ولون ورقم كل سيارة كان الشهداء يستقلونها، حتى تسنى للطائرة الأميركية ضربها بسهولة.

لا يزال الغموض يكتنف هذه الجريمة، وربما الخوف والمجاملة المبالغ فيها جعل الحكومة العراقية تمتنع عن التحقيق. مع العلم أنه حتى الدول المتحالفة تقيم دعاوى ضد حليفتها أو تقوم بالتحقيق في جرائم أو مخالفات، كما حدث في إدانة ألمانيا لعملية التجسس على هاتف المستشارة ميركل من قبل المخابرات المركزية الأميركية، واضطرار واشنطن للاعتذار، ولم يقلل ذلك من قوة علاقتهما.

إن تقرير مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة يمكن اعتباره أرضية قانونية في إدانة جريمة الاغتيال. وأن على الحكومة العراقية أن تتحمل مسؤوليتها وتقدم دعاوى قضائية في المحاكم الدولية، ولا تكتفي بالاحتجاج في مجلس الأمن الدولي.

كما يمكن للمحاكم العراقية البت بالدعوى المقدمة من الحكومة العراقية باعتبار مكان الجريمة واختصاص المحاكم العراقية لأن الجريمة وقعت على أراضيها أولاً، ولأنها استهدفت شخصية عسكرية عراقية ثانياً، وضيفاً على الحكومة العراقية ثالثاً.

ان من حق الحكومة العراقية المطالبة بتعويضات مادية ومعنوية لضحايا الجريمة لقادة النصر ومرافقيهما، كما تفعل واشنطن في المطالبة بتعويض رعاياها، مثل طائرة لوكربي التي اتهمت فيها الحكومة الليبية، واستلمت عائلات الضحايا الأمريكيين مئات الملايين من الدولارات.

"إن الحق لا يضيع بتقادم الجريمة.. وما ضاع حق وراءه مطالب".

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم