قبسات من حياة الامام الصادق (ع)..(10) تصدّيه لتيار الغُلاة-1

السبت 21 نوفمبر 2020 - 09:33 بتوقيت طهران
قبسات من حياة الامام الصادق (ع)..(10) تصدّيه لتيار الغُلاة-1

اسلاميات-الكوثر: تناولنا في عدة حلقات من قبسات من حياة الامام جعفر الصادق(عليه السلام)، كما تطرقنا الى النهضة العلميّة للامام (ع) المتمثلة في احتجاجاته ومناظراته، وسوف نتناول في هذه الحلقة تصديه لتيار الغلاة.

الإمام الصادق (ع) والتصدي لتيار الغلاة- الجزء الأول

ظهرت في عهد الإمام الصادق (عليه السلام) تيارات منحرفة وفرق ضالة متعددة، أرادت تشويه مفاهيم وعقائد الإسلام، وحرف المسلمين عن تمسكهم بدينهم وعقيدتهم الحقة. ومن تلك التيارات المنحرفة والضالة التي تصدّى لها الإمام الصادق (ع)، تيار الغلاة الذين أعلنوا الغلو في الإمام (ع)، وأعطوه بعض صفات الله، وجعلوه فوق البشر، فكانوا يؤلهون الإمام حيناً، أو يعطوه  صفات إلهية حيناً آخر.

وقد تصدّى الإمام (ع) بحزم لهؤلاء الغلاة، وأشار إلى خطرهم وانحرافهم، محذراً الأمة منهم، معلناً أمام أصحابه: ((والله ما الناصب لنا حرباً بأشد علينا مؤونة من الناطق علينا بما نكره )).

وقال أيضاً: ((إن الناس قد أولعوا بالكذب علينا، وإني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله، وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله، وإنما يطلبون به الدنيا، وكل يحب أن يدعى رأساً)).

فالغلاة يبررون أفكارهم واعتقاداتهم الفاسدة بنسب أحاديث وروايات إلى الإمام الصادق وبقية أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وأهل البيت منهم براء، إذ كانوا يعلنون ليلاً ونهاراً براءتهم من الغلاة، بل وتكفيرهم، وتحذير الأمة من الاختلاط بهم، أو الأخذ بأقوالهم.

وكان للغلاة أسماء بارزة في عهد الإمام الصادق (ع)، بل شكلوا فرقاً تتبنى فكر الغلاة، وقد كان ((أبرز فرقة ظهرت في عهد الإمام الصادق (ع) هي الفرقة الخطابية، والتي يتزعمها محمد بن مقلاص الأسدي، المكنى بأبي الخطاب. وقد تصدى الإمام (ع) لمحاربة هذا المغالي، وأصحابه، الذين قالوا بألوهيته)).

قال عيسى بن أبي منصور سمعت أبا عبد الله الصادق (ع)، يقول عندما ذكر أبو الخطاب: ((اللهم العن أبا الخطاب فإنه خوفني قائماً، وقاعداً، وعلى فراشي... اللهم أذقه حر الحديد)).

ولا ريب، ولاشك، إن الخوف الذي استولى على الإمام الصادق (ع) من الله؛ لأن أبا الخطاب ادعى له الإلوهية، فأخافه من الله تعالى.

وقد لعن الإمام الصادق (ع)، أبا الخطاب فتأول أبو الخطاب، اللعن وقال: إن الإمام يقصد قتادة بن دعامة البصري، الذي يكنى بأبي الخطاب أيضاً، فقال الإمام (( والله ما عنيت إلا محمد بن مقلاص، بن أبي زينب الأجدع، البراد، عبد بني أسد، فلعنه الله، ولعن أصحابه، ولعن الشاكين فيه، ولعن من قال: إني أضمر وأبطن غيرهم)).

وعندما بلغه مقولة الخطابية بالتلبية له، خر ساجداً، ودق جؤجؤه بالأرض، وبكى، وأقبل يلوذ بإصبعه ويقول: ((بل عبد لله قن داخر)) مراراً كثيرة، ثم رفع رأسه، ودموعه تسيل على لحيته، فقال له الراوي (مصادف): جعلت فداك، وما عليك أنت من ذا؟ فقال له (( يا مصادف إن عيسى لو سكت عما قالت النصارى فيه، لكان حقاً على الله أن يصم سمعه، ويعمي بصره، ولو سكتُ عما قال فيّ أبو الخطاب لكان حقاً على الله أن يصم سمعي، ويعمي بصري)) .

وقد أمر الإمام الصادق (ع) شيعته بمقاطعة الخطابية، حيث قال للمفضل بن عمر: ((اتق السفلة ! واحذر السفلة، فإني نهيت أبا الخصاب، فلم يقبل مني ))، وقال للمفضل أيضاً: ((يا مفضل لا تقاعدوهم، ولا تؤاكلوهم، ولا تشاربوهم، ولا تصافحوهم، ولا توارثوهم)).

وعندما بلغه مقتل أبي الخطاب، تنفس الإمام (ع) الصعداء وقال: ((لعن الله أبا الخطاب، ولعن من قتل معه، ولعن من بقي منهم، ولعن الله من دخل في قلبه لهم رحمة))، وفي رواية: (( كان أبو الخطاب أحمق، فكنت أحدثه، وكان لا يحفظ شيئاً، وكان يزيد من عنده)).

وقال الإمام الصادق (ع ) ذات مرة وهو يفسر قوله تعالى:  ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين* تنزل على كل أفاك أثيم ﴾ .

فقال: هم سبعة: ( المغيرة، وبيان أو بنان، وصائد، وحمزة بن عمارة البربري، والحارث الشامي، وعبدالله بن الحارث، وأبو الخطاب).

وعن أبي بصير قال : قلت لأبي عبدالله (ع): إنهم يقولون . قال: وما يقولون ؟ قلت: يقولون: يعلم قطر المطر، وعدد النجوم، وورق الشجر، ووزن ما في البحر، وعدد التراب فرفع يده إلى السماء وقال: (( سبحان الله، سبحان الله، لا والله ما يعلم هذا إلا الله)).

وعن أبي بصير أيضاً قال: قال لي أبو عبد الله (ع): (( يا أبا محمد! ابرأ ممن يزعم أنّا أرباب، قلت: برىء الله منه، فقال: ابرأ ممن يزعم أنّا أنبياء، قلت: برىء الله منه)).  .

وقال الإمام الصادق (ع) لأصحابه ذات مرة: (( فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، وما نقدر على ضر ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا،   والله ما لنا على الله من حجة، ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون، ومقبورون، ومنشرون، ومبعوثون، وموقوفون، ومسؤولون)).

وهذا التحذير الشديد من الغلاة، ومن خطرهم على الإسلام، يظهر مدى الألم الذي كان يعانيه الإمام (ع) من هؤلاء الغلاة، ومن جهة أخرى يظهر مدى الحزم في مواجهة هذا التيار المغالي في أئمة أهل البيت (ع)، ودعوة المؤمنين إلى مقاطعتهم والابتعاد عنهم حتى لا يتأثروا بأفكارهم الضالة.

إقرأ ايضا: الامام الصادق (ع).. (9) إبطاله لبِدَع المعتزلة

في الحلقة الحادية عشرة من (قبسات من حياة الامام جعفر الصادق) نتناول إن شاء الله تصدي الإمام (ع) لتيار الغلاة (الاباحية).

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم