المثقف الاسلامي ومهمته التغييرية (2).. المثقف التغريبي

الخميس 24 ديسمبر 2020 - 08:51 بتوقيت طهران
المثقف الاسلامي ومهمته التغييرية (2).. المثقف التغريبي

مقالات-الكوثر: تناولنا في القسم الاول من (المثقف الاسلامي ومهمته التغييرية) بانه رجل المعرفة والمسؤولية الميدانية، الذي يعيش الإلتزام بقضايا مجتمعه بكل تفاصيلها، ويستجيب لحاجات المجتمع، ويواجه التحديات التي تعيق حركته ونموه وتطوره على مختلف الصعد. وسنتناول في هذا القسم المثقف االذي ينتمي الى جذور مسلمة وتلقى ثقافته من المستشرقين.


 ولكن الملفت للنظر أن المثقف التغريبي الذي ينتمي الى جذور مسلمة وبيئة مسلمة، يندفع نحو تبنّي الرؤية الغربية لتعريف المثقف ودوره، من قبيل المثقف النقدي والمثقف المعرفي المستقل والمثقف التنويري والثقافة الانتقادية والتفكير العلمي، وراح (تحت تأثير إغراءات المفاهيم والمصطلحات والأسماء الغربية اللامعة التي يلوكها في أحاديثه ومقالاته) يبحث عن دور انتقادي، يشاكس فيه المجتمع والتراث الإسلامي والمرجعية الدينية والمؤسسة العلمية الإسلامية والنظام الإسلامي، ويردد التوصيفات التي تفرزها منظومة العقل الغربي الإستشراقي السلطوي، كالأصولية الإسلامية وسلطة المؤسسة الدينية واليسار الإسلامي والتطرف الإسلامي والإرهاب الإسلامي والإسلام السياسي والماضوية والتخلف وموت التراث والعقل المسلم المأزوم وغيرها، ثم يتبنى مداليلها وفق مايحدده العقل الغربي المخاصِم للإسلام ومجتمعاته؛ لكي يقال عنه إنه مثقف (أنتلجنتسي)، أو مثقف غير منتمٍ، وأنه يمارس دوره الثقافي المطلوب. لكنه في حقيقته؛ مثقف مهزوم ومسلوب الهوية، ويعيش هاجس الرعب من (تهمة) الانتماء الى أصوله المعرفية واجتماعه الديني. بل أن هذا الاستلاب والهزيمة، تدفعه (غالباً) الى نقد التراث والمؤسسة الدينية والنظام الاجتماعي الديني نقداً قاسياً، شخصانياً تارة، وغير تخصصي تارة أخرى. ويصل الأمر الى مستوى إعلان الحرب عليها، والمساهمة في تشويهها وضربها وتدميرها.

والمفارقة أن المثقف المستلب الذي ينتمي الى بيئة مسلمة، ولا سيما المثقف العلماني العربي، هو الأكثر ازدراءً لمفهوم الدين عموماً وللإسلام خصوصاً، والأكثر طعناً بالأصول الإسلامية، والأكثر سخرية من المؤسسة الدينية والمتدينين. على العكس من أغلبية المثقفين العلمانيين الغربيين، الذين وصلوا الى قناعة المصالحة مع الدين، واحترام المؤسسة الدينية والمتدينين. والسبب يعود الى أن المثقف العلماني الغربي منسجم مع واقعه الاجتماعي ومع حقيقة دينه المسيحي الروحي ومع الاستحالات الايديولوجية التراكمية التي عاشها طيلة قرون. أما المثقف العلماني ذو الجذور المسلمة، فهو يحاول التماهي مع هذه الاستحالات التي لاتمت الى الواقع الإسلامي بصلة، والتشبه بجداليات ماقبل عصر النهضة الاوربية، ولذلك؛ يصطدم بقوة بدين مختلف وشريعة مختلفة وواقع مختلف؛ الأمر الذي يدفعه الى شن حروب انفعالية خاسرة على الدين ونظامه الاجتماعي.

  وحين يعلن المثقف المسلم المستلب، استقلاله عن ما يسميه علماء الاجتماع الغربيين بالسلطات التي ينبغي للمثقف أن يستقل عنها، وينتقدها من خارجها؛ فهذا يعني أنه منفصلٌ عن اجتماعه الديني والثقافي والسياسي، وأنه لاينتمي الى المرجعية الدينية والجماعات السياسية الاسلامية والحكم الإسلامي والمؤسسة الدينية والمؤسسة الاجتماعية وغيرها؛ لأنه انتماءه إليها يقوده تلقائياً الى الدفاع عنها وتسويغ أحكامها وأدائها، وهو مايتعارض مع مفهوم المثقف في الرؤية الغربية. وهذا الفهم يعمل على إفراغ النظام الاجتماعي الديني الإسلامي من عنصر قوة بشري نوعي مهم، وهو عنصر المثقف، فضلاً عن أنه لايعي أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة والمحاسبة والتواصي بالحق، يفرض على المثقف الإسلامي أن يمارس دور النقد البنّاء والتقويم السليم بكل جرأة ووضوح، ولايركن الى الصمت والتسويغ غير الواعي والدفاع بالباطل؛ لأن ذلك يتعارض مع بديهيات الايديولوجيا الإسلامية.

  ولعل تشكيل طبقة «انتلجنتسيا إسلامية» حقيقية، تخوض غمار النقد والتقويم للنظام الاجتماعي الديني ومكوناته، وللواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي؛ هي صلب مهمة المثقف الإسلامي. ومع افتراض سلامة أهداف عملية الإصلاح والتصحيح وإعادة البناء التي تطمح اليها طبقة المثقفين الإسلاميين؛ فإن اختيار الوسائل والأساليب، لابد أن يكون مدروساً بعناية، كونها المقدمة الضرورية لصحة العملية بمضمونها المعرفي والتطبيقي السليم. وتستند هذه المقدمة الى أربع قواعد أساسية:

1-  إبعاد الثوابت الإسلامية المقدسة عن عملية النقد، والمقصود بهما القرآن الكريم والصحيح من السنة. أما القراءة التخصصية المتجددة لهما، والتي تنطوي على نقد التراث والقراءات التقليدية؛ فهي تدخل في صلب عملية النقد البنّاء، شرط أن يكون النقد تخصصياً، والناقد يتمتع بكل المؤهلات العلمية المطلوبة. 

2-  مراعاة ظروف الزمان والمكان، والأطر الشرعية والأخلاقية، والمصلحة العليا، فالنقد يكون حراماً أحياناً، وأخرى واجباً وثالثة مستحباً؛ لأن الهدف من عملية النقد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو البناء والتغيير نحو الأفضل، وليس النقد من أجل النقد، أو النقد دون النظر الى النتائج التي ستترتب عليه.

3-  انسجام النقد والتقويم مع الواقع الشخصي للمثقف؛ إذ ينبغي أن يبدأ بنقد نفسه وواقعه قبل نقد الآخرين ونقد الظواهر العام؛ لأن محاسبة النفس والتقويم الذاتي وإعادة بناء الشخصية بما ينسجم ودور المثقف وأهدافه، هو ميدانه الأول، ثم يتحرك في حدود تخصصه وثقافته نحو الأفق الخارجي.

4-  انتماء المثقف الإسلامي الى نظامه الاجتماعي الديني ومكوناته، وفق خياراته وتخصصه، وهو انتماء مركب ينطوي على أكثر من انتماء فرعي. ولاتلغي هذه الانتماءات دور المثقف الإسلامي في عملية النقد والمحاسبة والنصيحة، بل العكس كما ذكرنا. ومن خلال هذه الانتماءات، يعبر المثقف الإسلامي عن عقديته ومسؤوليته، ولايكون مجرد مثقـف معرفي أو نقدي أو عقلاني أو حر أو متنور، أو أي تعبير مستورد آخر يحاول بعض المنفعلين فرضه على الواقع الإسلامي.

            د. علي المؤمن

إقرأ أيضا: المثقف الاسلامي ومهمته التغييرية (القسم الاول)

سوف نتناول بأذن الله تعالى في القسم الثالث من (المثقف الاسلامي ومهمته التغييرية)، دور المثقف الإسلامي ووظيفته.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

الخميس 24 ديسمبر 2020 - 08:22 بتوقيت طهران

تعليقات